آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 3:45 ص

أن تعبد بحب

بدر شبيب الشبيب *

قد نهتم كثيرا بعباداتنا من جانب مطابقتها للأحكام الشرعية لتقع صحيحة مبرئة للذمة، وهو شيء مطلوب دون شك. غير أن المطلوب أيضا هو النفاذ إلى جوهر العبادة لاستيعاب مراداتها ومعرفة معانيها الدقيقة وأسرارها العميقة كي نستطيع التحليق في فضائها الرحب فنستمتع بأدائها، ونمارسها عن حب، ونشتاق إليها اشتياق المحبين المتيمين.

فرق كبير مثلا بين من يؤدي الصلاة إسقاطا للواجب، ومن يؤديها حبا لها وشغفا بها. في أول سورة «المؤمنون» يذكر الله تعالى أولى الخصال التي أوصلتهم للفلاح فيقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، فالخشوع لا يذكر ضمن أركان الصلاة وواجباتها، ولكنه هو الذي يجعل المصلي مصليا في الحقيقة. الخشوع - كما يقول المفسر المعاصر من تونس الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره «التحرير والتنوير» - «محلّه القلب فليس من أفعال الصلاة ولكنه يتلبس به المصلي في حالة صلاته».

ويضيف بعد ذلك كلاما هاما حول الخشوع ننقله لأهميته. يقول: «وذُكر مع الصلاة لأن الصلاة أولى الحالات بإثارة الخشوع وقوّته ولذلك قدمت، ولأنه بالصلاة أعلق فإن الصلاة خشوع للّه تعالى وخضوع له، ولأن الخشوع لما كان للّه تعالى كان أولى الأحوال به حال الصلاة لأن المصلي يناجي ربه فيشعر نفسه أنه بين يدي ربه فيخشع له. وهذا من آداب المعاملة مع الخالق تعالى وهي رأس الآداب الشرعية ومصدر الخيرات كلها».

ثم يتطرق لنكتة بلاغية لطيفة يستفيد منها أن الخشوع في الصلاة دليل شدة التعلق بها، أي أن منشأه الحب. يقول ابن عاشور: "ولهذا الاعتبار قدم هذا الوصف على بقية أوصاف المؤمنين وجعل مواليا للإيمان فقد حصل الثناء عليهم بوصفَين.

وتقديم ﴿فِي صَلاتِهِمْ على ﴿خاشِعُونَ للاهتمام بالصلاة للإيذان بأن لهم تعلقا شديدا بالصلاة لأن شأن الإضافة أن تفيد شدة الاتصال بين المضاف والمضاف إليه لأنها على معنى لام الاختصاص. فلو قيل: الذين إذا صلوا خشعوا، فات هذا المعنى.

وأيضا لم يتأت وصفهم بكونهم خاشعين إلّا بواسطة كلمة أخرى نحو: كانوا خاشعين. وإلّا يفت ما تدل عليه الجملة الاسميّة من ثبات الخشوع لهم ودوامه، أي كون الخشوع خلقا لهم بخلاف نحو: الذين خشعوا، فحصل الإيجاز، ولم يفت الإعجاز".

ومثال الصلاة هذا ينطبق على جميع العبادات دون استثناء. والمتتبع للأدعية الشريفة يرى تركيزا كبيرا على ربط العبادة بالحب كي تكون على الوجه الأكمل، كما في « وحبِّب إلي الدعاء وصِله منك بالإجابة»، وفي «وحبب إلي طاعتك وما يقربني منك ويزلفني عندك» وفي «أحببني وحببني، وحبب إلي ما تحب من القول والعمل حتى أدخل فيه بلذة، وأخرج منه بنشاط».

وفي النص الأخير بيان لكيفية تأثير الحب على أداء العبادة إذ يجد المؤمن فيها لذة تنسيه كل اللذائذ الحسية، وتورثه نشاطا وهمة، على عكس ما قد نتصوره من تعب حين قيامنا بنفس تلك العبادات.

وإذا استوعبنا هذا المعنى استطعنا أن ندرك بعض ما أشار إليه النبي ﷺ حين قال لأبي ذر الغفاري: يا أبا ذر جعل اللَّه جل ثناؤه قرة عيني في الصلاة، وحبب إلي الصلاة كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، وإن الجائع إذا أكل شبع، وإن الظمآن إذا شرب روى، وأنا لا أشبع من الصلاة.

كم نحتاج إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالعبادات كي نقترب من قلبها فنكسب حبها، ومن ثم تتغير حياتنا للأفضل لأن الآثار الناتجة عنها حينئذ ستكون مختلفة جدا.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.