آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «2»

محمد الشيوخ *

دعوة الشيخ حسن بن علي البدر شيعة المنطقة الشرقية في السعودية للقتال ضد قوات الملك عبد العزيز عند دخولها القطيف وانضمامها للمملكة عام1331هـ - 8مايو1913م، تعكس اهتماما بالشأن العام لدى بعض رجالات الدين الشيعة في المملكة منذ القدم. لكن لا يمكن وصف هذه الحالة، ان صحت، ونظرائها بسيادة حالة ثابتة من العمل السياسي للجماعات الاسلامية الشيعية منذ تلك الفترة، ومن ثم يمكن أن يطلق عليها حالة عمل سياسي منظم وواضح، كما هو عليه الحال في الوضع الراهن.

لكن بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران بقيادة الخميني التي أطاحت بالشاه عام 1979م، وانتفاضة المنطقة الشرقية الأولى في السعودية 1980م، التي أعقبت الثورة الإيرانية مباشرة، برزت حركات الإسلام السياسي الشيعية المنظمة في السعودية بشكل واضح، وتحديدا في المنطقة الشرقية.. ففي ظل وجود نشاط سياسي منتظم منذ ما يقارب الأربعة عقود من الزمن، صار بالإمكان الزعم بوجود حركات سياسية شيعية في المملكة، وإن لم يجر الاعتراف بها رسميا.

منذ عام1970م وحتى عام 2013م، عاشت جماعات الإسلام السياسي الشيعية مراحل مختلفة ومارست أدوارا متعددة، كما تبنت أهدافا سعت إلى تحقيقها عبر وسائل عدة، نتيجة للظروف والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي مر بها العالم عامة والمملكة العربية السعودية خاصة. ويمكن حصر الحركات السياسية الشيعية التي نشأت في المنطقة الشرقية خلال الأربعة العقود الماضية «1971م - 3013م» إلى الاتجاهات التالية:

أولا: تيار الإصلاح الوطني

يعد هذا التيار في الوقت الراهن من أبرز الجماعات السياسية الإصلاحية الشيعية في المملكة، ويعتبر الشيخ حسن الصفار من أبرز رموزه ومؤسسيه. ويسمى هذا التيار تارة ب«التيار الشيرازي» وأخرى ب«تيار الصفار» نسبة للشيخ الصفار، خصوصا بعد بروز عدة توجهات «الصادقيون، المدرسيون، الصفاريون» من رحم التيار الشيرازي العام، وذلك بعد رحيل الأب الروحي والمؤسس الأول للتيار الشيرازي، السيد محمد مهدي الشيرازي. وقد مر تيار الإصلاح الوطني منذ نشأته حتى اللحظة الراهنة بمراحل مختلفة، نظرا للمتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية، كما شهد طوال تاريخه تغييرات هامة في بنيته الفكرية ومواقفه السياسية، انعكست على شكل أنشطة ومبادرات وبرامج عديدة، متعلقة بالطائفة والوطن والأمة، في الداخل السعودي وخارجه.

ولغرض التعرف على ماهية هذا التيار، والوقوف على ابرز المحطات التاريخية التي مر بها، والتغييرات التي حدثت في منظومته الفكرية والسياسية، يمكن تقسيم الاطوار التي مر بها طوال تاريخه إلى أربع مراحل أساسية:

أ - المرحلة التأسيسية

بدأت هذه المرحلة عام1971م - 1979، وذلك بعد اللقاء الذي تم بين ابرز قادة ومؤسسي هذا التيار في المملكة «حسن الصفار، توفيق السيف، فوزي السيف، محمود السيف»، آنذاك بالمرجع الراحل السيد محمد مهدي الشيرازي وأبن أخته المرجع الحالي السيد محمد تقي المدرسي في الكويت، بعد هجرتهما من العراق خشية اعتقالهما وإعدامهما من قبل النظام ألبعثي آنذاك، وعلى إثر ذلك أقاما حوزة علمية تحت مسمى«مدرسة الرسول الأعظم» بمساعدة بعض التجار الكويتيين، وتلامذتهم الذين خرجوا من العراق.

بانضمام الشيخ الصفار وأبناء الحاج محمد تقي السيف «توفيق، فوزي، محمود» إلى التيار الشيرازي والمشاركة في برامجه المتنوعة وغير التقليدية، سواء في مدرسة الرسول أو من خلال «حركة الطلائع الرساليين» «وهي حركة إقليمية تأسست في العراق عام1968م، بمباركة الشيرازي، وانبثق منها لاحقا منظمة الثورة الإسلامية في السعودية، والجبهة الإسلامية في البحرين، ومنظمة العمل الإسلامي في العراق». وقد تم استقطاب العديد من الشباب من مختلف بلدان الخليج الذين انخرطوا في تلك التشكيلات، وعلى اثر ذلك برز على السطح ما بات يعرف على نطاق واسع اليوم ب«التيار الشيرازي» المنتشر في دول عديدة.

عملية استقطاب الشبان الخليجين الجدد خصوصا السعوديين الشيعة وضمهم إلى التيار الشيرازي، كان نتيجة جهود من التواصل مع الشباب بذلها كلا من أبناء محمد تقي السيف إلى جانب الصفار، الذي كان يتردد بين سلطنة عمان والكويت عام 1973م وأسس مكتبة «الرسول الأعظم» ومجلة «الوعي» في عمان بمعية شبان عمانيين.

وتعتبر عودة الشيخ الصفار وزملائه للقطيف عام 1976م، هي البداية الفعلية لتشكل التيار الشيرازي في المملكة وداخل القطيف وصولا إلى الاحساء، وذلك من خلال الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية، التي كان يمارسها تلامذة الشيرازي الجدد العائدين من الكويت، بعد تشبعهم بالأفكار الحركية والنهضوية المستقاة من مدرسة الشيرازي وتجربته الثرية، مضافا إلى أدبيات بعض الحركات الاسلامية القديمة كجماعة الأخوان مثلا. وكانت الأجواء في منطقة القطيف، مهيأة تماما لصعود تيار جديد، فالتنظيمات القومية تفككت، والحزب الشيوعي ليس لديه ما يكفي من القوة أو التأثير أو حتى التنظيم الجيد، والتيار التقليدي خارج حسابات النشاط التنظيمي والحزبي تماما.

بدأ التيار الشيرازي في تهيئة الأرضية الاجتماعية لتقبل التغيير عبر مشروع يقوده مرجع مغمور لأغلبية الشيعة في السعودية، وكانت المساجد والحسينيات هي ساحة «الصراع الشرعية» بين التيار التقليدي الذي يتبع مدرسة النجف التاريخية بزعامة آية الله أبو القاسم الخوئي... وبين التيار الشيرازي، وجاء الشيرازيون بأشكال مختلفة من الأنشطة كإحياء الاحتفالات والمحاضرات العامة، وكانت الكتب والأشرطة السمعية التي تحمل أفكار الشيرازي والمدرسي تهرب من الكويت عبر إخفائها في سيارات شباب الحركة، وعندما تصل توزع على الشباب في المنطقة [1] .

في مرحلة التأسيس حرص الصفار بعد أن اتخذ من «مسجد الفتح» في حي السويكة بالقطيف، منصة لنشر الوعي الحركي والسياسي، حرص على تعزيز التيار الشيرازي وتثبيت وجوده، من خلال الأنشطة المتعددة ورفده بالكوادر والأعضاء الجدد الفاعلين. كما قام زملاء الصفار، لتدعيم هذا التوجه الجديد بالعديد من الأنشطة لعل أبرزها تشكيل اطر متعددة وبأسماء مختلفة تظم الشباب وأخرى تظم الشابات في كل مدينة وقرية من محافظة القطيف، لتكون تلك المجاميع الشبابية بمثابة النواة والرافعة الأساس للتيار الجديد في تلك المناطق. وكانت هذه المجاميع الجديدة تحظى بعناية مركزة من التثقيف والتوعية، لتكون قادرة على القيام بمناشط مختلفة من شأنها تعزيز وجود هذا التيار الجديد.

ومنذ بداية نشاط هذا التيار في منتصف السبعينيات، إذ لم يكن حينها أي اسم لتنظيم سياسي ديني معلن معروف، وإنما كان هناك نزاع حاد قام بين «التقليدية الدينية» السائدة التي يقود زمامها عدد من رجال الدين في المنطقة، وبين التيار الديني المتجدد، الذي انتمى إليه عدد من رجال الدين الشباب، حيث جاء هذا التيار بمقولات ودعوات تبدو غريبة على الخط التقليدي، الذي لم يكن يتعدى اهتمامه نطاق أداء العبادات كالصلاة والصوم والحج والخمس، ولا يملك الواحد من هذا التيار اتجاها فكريًا، أو نشاطًا اجتماعيًا يتجاوز نطاق عقود الزواج والطلاق وتوزيع الحقوق الشرعية والمواريث، بيد أن التيار الآخر جاء بعدد من الطروحات الإضافية والجديدة على المجتمع تعتمد التثقيف واعتماد وسائل حديثة في بث الوعي كالمحاضرات العامة والاحتفالات وعقد الاجتماعات وتنظيم الهيئات. ولم يتوقف التيار الجديد «أو التجديدي» عن انتقاد التيار التقليدي، واصفًا اهتماماته بالجزئية والسطحية والقشرية، معتبرًا إياه بأنه «رجعي» يشوّه الصورة الزاهية والوجه الحضاري للدين الإسلامي، مما أدّى إلى حدوث حالة من الصدام والصراع في المجتمع، وتمظهر في الصورة أو الصيغة الثقافية الفكرية خصوصًا في البدايات [1] .

ولقد اتسمت هذه المرحلة بالصدام مع أفكار وطروحات التيار التقليدي المحافظ، ونشر الأفكار والمفاهيم النهضوية والتجديدية، وتقديم الدين بقالب جديد في صورته الحركية التي لم تعهده الساحة الشيعية في السعودية طوال تاريخها الغابر. وكان مؤسسي التيار الشيرازي الأوائل في السعودية يعملون تحت مظلة «حركة الطلائع الرساليين». وقبيل الثورة الاسلامية في إيران ساهم كوادر الحركة بمعية بعض قادة الحراك الإيرانيين كالشهيد محمد ألمنتظري «ابن آية الله حسين منتظري، الذي كان يفترض أن يخلف آية الله الخميني بعد وفاته»، في العمل على إنجاح الثورة في إيران، ومن ثم إيصال صوتها للعالم. ولقد سخر الشيرازي الكثير من جهده ووقته في الكويت إلى جانب كوادر الحركة في هذا السبيل. لعل محاضرات الشيرازي المخصصة لدعم الثورة الإيرانية، التي قدمها في الكويت تكشف جانبا من هذا الاهتمام، بل أن بعض المتابعين إلى رؤاه وأفكاره حول الثورة الفتية كانوا يعتبرونه أحد أبرز المنظرين لها.

ونظرا للعلاقة المميزة بين الخميني والشيرازي، طلب الخميني من الشيرازي مغادرة الكويت والمجيء إلى إيران بعد انتصار الثورة مباشرة. ولعب كوادر حركة الطلائع الرساليين دورا كبيرا في تأسيس العديد من المناشط الرسمية وشبه الرسمية وكذلك الإشراف على بعضها في إيران، بعد انتصار الثورة. كان هذا الاهتمام يستهدف في المقام الأول إيصال صوت الثورة للعالم وديمومة بقائها والحفاظ عليها وحمايتها. وفي نفس الوقت يعكس مدى حالة الانسجام السياسي والفكري بين جماعة الشيرازي وجماعة الخميني. وكان الشيرازي يعد نفسه شريكا أساسيا في صناعة الثورة في إيران وحمايتها وإيصال أفكارها النهضوية البناءة في العالم، عبر تلامذته ورجالات حركته وأنشطته المتعددة. المقولة الشهيرة التي تتردد على نطاق واسع «إذا كان الخميني قد فجر الثورة فأن الشيرازي هو الذي أوصل صوتها للعالم»، تعكس مدى العلاقة المتينة وانسجامها بين الجماعتين آنذاك.

[1]  الابراهيم، بدر، والصادق، محمد1994، ك الشيعي في السعودية: تسييس المذهب ومذهبة السياسة"، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013م.

[2]  العيد، سلمان، "الحركة الشيعية في السعودية.. من الثورة إلى الإصلاح 1980 ـ 1994، مسار الأخبار، 2010م.
باحث في علم الاجتماع السياسي