آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «3»

محمد الشيوخ *

ب - المرحلة الثورية

وقد بدأت من عام 1979م - 1987م، أي مع انتصار الثورة الاسلامية في إيران واندلاع الانتفاضة الأولى في المنطقة الشرقية في السعودية، ومغادرة الشيرازي الكويت التي عاش فيها تسع سنين ثم هاجر إلى إيران «1390هـ - 1399 هـ»، بعد إصرار من العلماء والمراجع الكبار، وفي مقدمهم الخميني. وقد استقر في مدينة قم المقدسة أكثر من عقدين من الزمن إلى أن اختاره الله يوم الاثنين 2 شوال عام 1422هـ «17 ديسمبر عام 2001م»، عن عمر ناهز الخامسة والسبعين عاما.

بيد أن انتصار الثورة في إيران، والآثار التي ترتبت على الانتفاضة، واتخاذ الحركة إيران كمنصة جديدة، أضاف للعمل الحركي مناشط وفتح أمام قادة الحركة وكوادرها آفاقا جيدة من العمل لم يعهدوها من قبل. من بين إرهاصات انتصار الثورة الإسلامية في إيران، إنها استطاعت أن تحرك الشارع الشيعي في المنطقة الشرقية باتجاه الإسلام التجديدي، لذلك خرج العشرات من الشيعة في تظاهرات حملت شعارات تنتقد الحكومة، وتدعو لإسلام أو تدين سياسي غير تقليدي، وكان ذلك بمثابة تطوّر في حالة الصراع الذي انتقل من صراع مع رجال الدين التقليديين إلى صراع سياسي مع السلطة السياسية، معتمدًا في ذلك على العناصر التي تبنت الدعوة للتجديد في الدين، وفي تطور لاحق خرج العشرات منهم إلى الخارج، وتحديدًا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بهدف تعميق المفاهيم التجديدية، والإطلاع عن قرب على مبادئ الثورة في إيران.

ورغم المحاولات التي قامت بها السلطة الحاكمة لإنهاء هذا الوضع الجديد، الذي أعقب انطلاق التظاهرات المعادية لها عام 1400هـ، إلاّ أن فئات التيار السياسي «دعاة التجديد في الدين» لم يتعرضوا لخطر الزوال، بل لوحظ خلال حقبة الثمانينيات زيادة حركة المنشورات والشعارات الحائطية التي تدعو لمزيد من التصعيد ضد السلطة، وذلك لأن الحركة السياسية بمسماها ونشاطها الجديد تمكنت من إيجاد قاعدة جماهيرية في المجتمع، فكانت تمارس إعادة ترتيب الأوراق بعد كل حملة اعتقالات تنفذها السلطة، مستفيدة من وجودها في الخارج مروجة لمجموعة مقولات من قبيل الدعوة للصمود والاستقامة في مقاومة الظلم، وتحدِّي الإجراءات الأمنية وما إلى ذلك، فكانت تكسب بعض الجولات في هذا الصراع وتزيد من العناصر المدفوعة بالحماس الديني القادم من إيران وثورتها الإسلامية، ومن التيار الإسلامي بشكل عام.

ومع تنامي الصراع السياسي مع الحكومة إلاّ أن الصراع في المجتمع، ومع رجال الدين التقليديين لم يتوقف، بل تنامى وأخذ بعدًا متطورًا، حيث قام بعض من التقليديين بإعلان الولاء للحكومة، والتبرء من سلوك كل من انتمى للتيار الإسلامي الثوري أو شارك في أي من أنشطته، من قبيل التظاهرات أو توزيع المنشورات، أو الهجرة إلى إيران، ولكن الحركة السياسية بعناصرها في الداخل والخارج استطاعت أن تقف صامدة أمام هذه الضغوط، تمارس دور الحشد لكسب المزيد من العناصر ودعوتهم إلى الهجرة إلى الخارج، وإخضاعهم لبرامج ثقافية تعبوية، مما زاد من حجم النشاط في الداخل والخارج واتساع رقعته. وهكذا استمرت الأوضاع بين الحركة والسلطة فالأولى تصدر المنشورات والدراسات والنشرات المعادية، والثانية تقوم بحملات الاعتقالات وتشديد الأجواء الأمنية، والتي بلغت ذروتها حينما ألقت القبض على أكثر من 300 مواطن شيعي، من عناصر ومؤيدي الحركة [1] .

وتختلف الروايات حول مسألة التحريض على الانتفاضة وإشعالها، فهناك من يتحدث عن اتخاذ المجلس القيادي لحركة الطلائع الرساليين في الكويت قرارا بهذا الشأن في اجتماع ضم: زعيم الحركة محمد تقي المدرسي، هادي المدرسي، كاظم الشوشتري، عباس المدرسي، صادق ألعبادي، قاسم الاسدي. استشير الصفار ثم ابلغ بقرار الحركة لتنفيذه من خلال الخطب التثويرية في ليالي محرم. لكن الصفار ينفي هذه الرواية، ويقول إنه لم يحصل اجتماع من هذا القبيل، وان ما حدث أنه كان مع توفيق السيف في الحج الذي سبق محرم من ذلك العام، وهناك التقيا بالسيد علي خامنئي والشيخ هاشمي رفسنجاني، ودار حديث عام معهما حول الثورة في إيران وانه لا بد للشعوب من أن تتحرك، وكذلك كان لقاء بالسيد محمد تقي المدرسي والسيد مرتضى القزويني «وهو الخطيب العراقي المنتمي إلى حركة الطلائع، الذي سيخطب في ليالي محرم 1400هـ في مدن محافظة القطيف.

عاد الصفار وتوفيق السيف من الحج ولديهما قناعة بعد التشاور مع المدرسي بأنه حان الوقت لإرسال مجموعة من الشباب إلى إيران للدراسة هناك، أما داخل القطيف فمنتهى ما كان يفكران فيه في ذلك الوقت هو الخروج في مسيرات عزاء، ومهما تختلف الروايات، تظل الحقيقة في أن الحماسة كانت متصاعدة بعد انتصار الثورة الإيرانية واحتلال السفارة الأمريكية في طهران، وأن الثورة في إيران أثرت في كوادر الشيرازيين وفي المجتمع بصفة عامة، وأن خطب الصفار والقزويني في محرم كان فيها تجييش وتعبئة للجماهير بشكل واضح [2] .

وساهمت تلك الخطب في اندلاع الانتفاضة، وكان لسقوط، وقامن الشهداء والجرحى بعد الصدام مع قوات النظام، أثرا بالغا على كوادر العمل الرسالي والمجتمع الشيعي في المنطقة الشرقية، ترجم في رفع شعارات سياسية تعبر عن حالة الغضب على النظام، والتأثر بالثورة الاسلامية إلى جانب دعوتها إلى توحيد الصف بين أفراد المجتمع السعودي. كما طالب المتظاهرون بالإفراج عن مئات المعتقلين الذين تم اعتقالهم على خلفية التظاهرات، ورفع التمييز الطائفي، واحترام الحريات الدينية وغيرها من المطالب.

فعشية السادس من شهر محرم 1400 الموافق 25 نوفمبر 1979، وخلال ذكرى عاشوراء خرج المواطنون الشيعة احتجاجًا على الحظر الرسمي بممارسة الشعائر، وقد قرر المحتجون إحياء مراسم عاشوراء بصورة علنية والتي أخذت منحاً سياسياً، فيما تدخّل الحرس الوطني الذي يرأسه الملك عبد الله سابقًا. وفي السابع من محرم «26 نوفمبر»، أحيى الشيعة مواكب العزاء التقليدية والتي نتجت عنها مسيرات في أنحاء المنطقة شارك فيها حوالي سبعين ألفاً والتي ما لبثت أن تحولت إلى مصادمات عنيفة مع قوات الأمن المرابطة في المنطقة. وعندما تدخلت الشرطة وجنود من الحرس الوطني لتفرقة التجمعات المشاركة في مواكب عاشوراء في القطيف في 28 نوفمبر، قرر الشيعة المقاومة وسادت حالة من الهياج والتي ما لبثت أن انتشرت في أجزاء أخرى من القطيف والأحساء. وتم نشر عشرين ألفًا من قوات الحرس الوطني في المنطقة لإخماد الانتفاضة التي استمرّت لخمسة أيام رغم محاولات وجهاء الشيعة والشرطة لوقفها. ولكن وحسب شبكة راصد الإخبارية عندما فتح الحرس الوطني النار على الجموع في القطيف، تظاهر الشيعة في الشوارع في رد فعل غاضب، وإصرار على إيصال صوت مظالمهم ومطالبهم. وفي التاسع والعاشر من محرم، تم تطويق منطقة القطيف وانتشرت الأخبار عن سقوط قتلى. قامت شرطة مكافحة الشغب بإطلاق الغاز المسيل للدموع، وقام الحرس الوطني بقتل 20 شخصاً وجرح أكثر من 100. واعتقل 600 شخص تقريباً. وقد تم إطلاق الرصاص على المتظاهرين، بحسب شبكة راصد[3] .

ولقد أحدثت الانتفاضة في المنطقة الشرقية هزة كبيرة في وجدان المجتمع الشيعي، وعلى أثرها تم اجتذاب عناصر جديدة إلى الحركة، وكتعبير عن توسع قاعدة التيار الشيرازي في المملكة ودخوله في مرحلة جديدة بعد الثورة الإيرانية والانتفاضة الأولى تم تشكيل«منظمة الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية» بعد هجرة قادة التيار الشيرازي في السعودية إلى إيران. وأصبحت ساحة إيران كمنصة جديدة لبداية نشاط ثوري وواسع ومتنوع.

وشرعت المنظمة، التي اصبح الشيخ اشعارات المرحلةي إصدار البيانات السياسية المعارضة للنظام السعودي، كما تم إصدار مجلة دورية بمسمى المنظمة يتصدر غلافها صورة سلاح معلق على الكعبة، كتعبير عن الحالة الثورية. وكانت الدعوة إلى الثورة هي ابرز شعارات المرحلة «الثورة في كل مكان» إلى جانب ضرورة التغيير الجذري والشامل. وأصبح في تلك الفترة العمل الحركي أكثر تنظيما وتنوعا، فقد تم التركيز على نشر الوعي الديني والتثقيف العام، والعمل الإعلامي من خلال مجلة الثورة الاسلامية وإصدارا البيانات وخطب قادة الحركة الأم، مضافا إلى العمل التنظيمي، من خلال تكوين خلايا في الداخل السعودي.

وخلال حقبة الثمانينيات، وهي الحقبة التي نشأت فيها الحركة، وذاع صيتها، برزت جملة من المصطلحات، انتشرت بين أبناء المجتمع، بعضها كان جديدًا، وبعضها كان محدودًا بفئات معينة من المتعلّمين أو الحركيين. وكلا النوعين من المصطلحات كانت الحركة الإسلامية الشيعية قد ساهمت في نشرها أو إيجادها أو تسليط الضوء عليها. إذ يتداخل فيها الأبعاد الروحية والأخلاقية والسياسية.

خلال تلك الفترة ظهر مصطلح «الثورة» الذي كان معروفًا يتداوله فقط ناقلو تجارب التيار القومي وانتصاراته في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا، ولا تعني الثورة سوى انقلاب لينفذه الجيش أو الحزب «أو هما معًا» ضد حكم ملكي أو استعماري، ليقيم محلّه نظامًا جمهوريًا، أو ينفذ عملية تصحيح في نمط الحكم الانقلابي القائم، على غرار ما قام به ستالين في الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي السابق، لكن هذا المصطلح أخذ بعدًا آخر، ونموذجًا مغايرًا لكافة النماذج الأخرى، فالثورة هنا «وفي حقبة الثمانينيات» تعني التظاهرات والاضطرابات وإسقاط الحكومات بوسائل التمرد الشعبي والعصيان المدني والثورة الجماهيرية، والنموذج في ذلك هو الثورة الإيرانية.

لقد أخذ مصطلح «الثورة» مكانًا واسعًا ضمن أدبيات الحركة الشيعية المعارضة، يكفي أن أسمها هو «منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية»، وكان يجري هذا المصطلح في العديد من الدراسات والكتب التي صدرت حينها منها كتاب «الحسين ومسؤولية الثورة» لمؤلفه حسن الصفار، وكتاب «البعث الإسلامي» لمؤلفه محمد تقي المدرسي «وهو أستاذ وموجه الشيخ حسن الصفار في تلك الحقبة» الذي يؤكد أن الثورة مصطلح إسلامي صميم، وإن خيار الثورة على الحكومات هو وأن لم يأت في النصوص الإسلامية بالنص، لكنه جاء بالمعنى، وأن هناك إمكانية لتكرار تجربة الثورة الإيرانية في أي مكان في العالم، وتؤكد طروحات وأحاديث قادة الحركة بأن الثورة هي التغيير الجذري لمجمل الأفكار والقيم التي يرتكز عليها النظام السياسي.

وتبعًا لمصطلح «الثورة» الذي بات يتداول في كل محافل وأدبيات ولقاءات عناصر الحركة، حتى أن مجلة الحركة كانت تحمل اسم «الثورة الإسلامية»، ظهرت مصطلحات ثانوية تابعة لمصطلح الثورة مثل الحركة والقيادة والتنظيم والعمل السري والعمل الجماهيري، فضلاً عن المصطلحات الأخلاقية الأخرى، والتي وإن كانت موجودة في الموروث الثقافي الديني، إلا إنها في العصر الثوري أخذت وضعًا مغايرًا مثل الجهاد والتضحية والإيثار وتحمل المسؤولية... الخ.

وهناك مصطلحات تمت إعادة صياغتها بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي لها، فالحرية التي كانت في وقت ما لا تعني سوى التحلل الأخلاقي والخروج على عادات المجتمع، باتت في العصر الثوري تعني حرية الرأي وحرية الصحافة وحرية التجمع والإضراب.. والجهاد الذي لم يكن يعني سوى ما قام به الرسول وأصحابه، لكنه هنا بات يعني معارضة الحكومات المستبدة والظالمة، والعمل على إسقاطها.

وجاءت الحركة بمجموعة مصطلحات خاصة بها هي الوجه الأخر لمصطلح الثورة والجهاد ورفض الظلم، أبرز تلك المصطلحات هو مصطلح «رسالي» وهو صاحب الرسالة وهي رسالة التغيير والعمل من أجل الأمة، وظهرت تبعًا لذلك مجموعة مقولات كالعمل الرسالي، والفرد الرسالي، والخط الرسالي، والفكر الرسالي، وكلها جاءت مع بروز الحركة المعارضة في البلاد، وهذا يعتبر من أهم أساسيات فكرة الحركة، إذ أن هناك صفات خاصة للإنسان أو الفرد الرسالي، تختلف بالطبع عن صفات أي فرد عادي، تبعًا لاختلاف «الثقافة الرسالية» عن الثقافة العامة، أو أي نوع من الثقافة، لأن هذه الثقافة تعبر عن سمات خاصة للخط الرسالي.

يذكر في هذا الصدد أن هناك كتابًا هاما يحمل اسم «الثقافة الرسالية» لمؤلفه محمد تقي المدرسي ـ وإن لم ينشر بإسمه ـ يحظى بأهمية لدى أفراد الحركة، حيث يتم تدريسه لبعض الأفراد مع بداية الانتماء، ثم يعطى إليه كي يقرأه متفردًا، ثم يتباحث في أفكاره مع بعض زملائه، بل يمكن القول أن جميع أفراد الحركة قرأوا هذا الكتاب أكثر من مرة" [4] .

[1]  العيد، سلمان، "الحركة الشيعية في السعودية.. من الثورة إلى الإصلاح 1980 ـ 1994، مسار الأخبار، 2010م.

[2]  الابراهيم، بدر، والصادق، محمد«الحراك الشيعي في السعودية: تسييس المذهب ومذهبة السياسة» الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2013م.

[3]  ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

[4]  العيد، سلمان، "الحركة الشيعية في السعودية.. من الثورة إلى الإصلاح 1980 ـ 1994، مسار الأخبار، 2010م.
باحث في علم الاجتماع السياسي