آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 1:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثبات الفكرة الأبدي!

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

استنتج غاليليو أنه في الحد الذي يتلاشى فيه الاحتكاك تماماً، تنعدم كل مقاومة خارجية للحركة ويستمر الجسم متحركاً بسرعة ثابتة دون توقف.

ليست الحالة الفيزيائية وحسب هي ما ينطبق عليها قوانين الحركة والسكون تلك. إنما حتى المنظومة الفكرية قد تَمضي في سبُلها الابتدائية بسرعة ثابتة لو لم تعترضها سيرورة تغيير حاسمة أو مُشككة حتى. لأن الشّك وحده كفيل بأن يُعقم تلاقح الأجيال بالفكرة ذاتها دونما بادرة تحوّل.

إن العقل اللاواعي معدوم المنطق ولا قابلية له على تفنيد الأفكار. هو فقط يشبه مقطورة نقل جيدة تتحرك في خط أفقي دائما. ويبدو أنها فرصة جيدة لاستعادة استنتاج غاليليو لأقول إن تلك المقطورة ستستمر في سرعتها واتجاهها حتى يحدث ما من شأنه أن يحيدها أو يعطلّها.. وبالطبع لا بد أن نعرف أن هناك أصحاب مصلحة من وراء التجهيل «الذي يستحثّ الحركة الأفقية» بدوافع تعطيل كل بواعث الشك.

لأنهم مُدركين كفايةً بإنه سيكون بمثابة عامل احتكاك قد يدفع بالتفكير لأن يغير مساره وينطلق عمودياً على غير مشيئتهم. مما يؤثر سلباً على مكتسباتهم الشخصية كأثر طبيعي لتجهيل العامة. ولأنه - ثانيا - خطة الضوضاء التي تهدف لتشويش رسائل التنوير لأن تصل لعقل ما. هي بتثبيت سرعة عملياته الإدراكية، فتقطع الطريق لأي عملية تحليل واستنتاج وابتكار لتُصان - في النهاية - حالة الركود النسقية تلك.

إن فكرة مثل قُدرة الموتى على تغيير واقع ما - مثلاً - أو إحداث معجزة أو شفاء مريض فكرة مستحيلة التصديق - عقلاً - إلا لو حُقنت في الذاكرة الأولى بواكير الطفولة. لأن عقل الإنسان رهين «للمعلومة الأولى» ومنها تنطلق مقطورة أفكاره.. وستستمر في الانطلاق على هُداها طالما عُدمت بواعث الدحض والنقض أو التصحيح. حتى أنه لن يستحدث سؤالاً ولن يكون مُتاحاً لأي طرقات صيانة إلا تحت ظروف تنويرية نادرة.

والتنوير كحالة من إتاحة الفرصة للضوء أن يكتسح مناطق الإظلام في الذاكرة النسقية رحلة شاقة وتتطلب ركوب منطقة غير اعتيادية في مجاهل التفكير. حالة مناكفة لفيزيائيةٍ تفرض تسارع ثابت لتلك الأفكار التي لا يمكن لها أن تكون طبيعية أو معقولة إلا بواسطة الدفعة الأولى!

لأن الأسبقية وحدها مبرر كافٍ لأن يكسبها طبيعية ومنطقية وقوة وثبات كافيين لأن تسير بسلاسة إلى الأبد ومن جيل إلى جيل.

أبدية الاستمرار في نسق واحد للأفكار تبرره شرائط الفيزياء التي تحدثتُ عنها.

بل وستبدي ممانعة شديدة وبطء واضح تجاه أي محاولة لحيدها أو تصحيح مسارها. وخصوصا بوجود العقل في معزل عن أي عوامل احتكاك/ أسئلة!

وكما أكمل غاليليو استنتاجه بأن التسارع الثابت يشترك مع السكون في خاصية الثبات. فإن أفكارنا ستسمر أبداً في خطها الأول طالما نصونها بالعزل كل ما من شأنه أن يغير حالة التسارع تلك «تسريع، حيد، تبطيء، تعطيل». فلو أننا صدّقنا أن قطعة حجر تنتقل من مكانها بمعزل عن مؤثر ما يمكننا أن نفترض أن تغيير أفكار البدايات حادث ممكن دون نقاط تحول تحدث كما يحدث الاصطفاء الذي يسبقه كوامن قلقة تفجر انتفاضة صارخة نحو الذات والركود. المُبشر في الأمر أن تصحيح مسار المقطورة الأولى دائما هو الأصعب.

لكن ما أن تنجح في الأولى ستتهافت بقية القطع تباعاً مثل حجر دومنو!

فقط نحن بحاجة لأن نخرج من عزلة العقل، وأن نسمح للسؤال أن يتدفق إلينا حاملا معه بشائر التغيير. هنا فقط يمكننا أن ننطلق من نقطة تحول أخرى.

المهم هو أن نبحث لا أن نصل، ففكرة الوصول وحدها فكرة تقودنا للثبات من جديد.. البحث وحده هو من يجعل معطيات كمثل أن يتدخل الموتى في مجريات حياتنا، أو أن عقلاً في رأس رجل آخر هو حجة على العقل الذي لديّ. أو أن هناك من يُعمّر لألف عام لكن أحداً لا يراه!. معطيات افتراضية لا يدعمها عقل ولا حتى نقل. يمكنها فقط أن تُبذر في العقول البكر ثم تتُرك لتأسن!

ابحث... تنوّر