آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 2:29 م

الحروب وأثرها في تشكّل وسقوط الإمبراطوريات

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في 2 فبراير/شباط من هذا العام، نشرنا مقالاً بهذه الصحيفة، حمل عنوان «صعود الإمبراطوريات وسقوطها»، تناولنا فيه بعض النظريات السياسية التي ناقشت أسباب هذه الظاهرة. وركزنا على أن لكل إمبراطورية دورة تاريخية، وأن أي إمبراطورية هي ظاهرة تاريخية؛ بمعنى خضوعها لقانون الحركة والتعاقب. وكان الموضوع قد تنبأ بتراجع النفوذ الاقتصادي الأمريكي لصالح الصعود الكاسح للصين.

هذا الحديث يركز على دور الحروب وأثرها في نشوء وسقوط الإمبراطوريات. لقد نشأت الإمبراطوريات، منذ بدأ الاجتماع الإنساني على قاعدة حق الفتح. وكان ابن خلدون قد ربط وجود الإمبراطوريات وسقوطها بالعصبية والعمران. أما ميكيافيلي فأكد المنفعة، كمحرض على الحرب، ومن وجهة نظره، فإن «البراجماتية» صفة ملازمة للسياسي الناجح. وتصيغ سياساتها مستندة إلى جملة من المعطيات الذاتية والموضوعية، وينفذ السياسيون أجنداتهم، بكل ما هو ممكن. وكل شيء مباح. فالتلويح بالجزرة والعصا، أدوات لا يتردد القادة السياسيون في استخدامها متى ما مكنتهم من تنفيذ أهدافهم.

والحروب تشن لتحقيق غايات سياسية، حيث يفرض الطرف المنتصر شروطه، من خلال فوهات البنادق، بما يعني أن الحروب أدوات في خدمة السياسة. وتشن في العادة من أجل السيطرة على المواد الخام، والتحكم في الممرات والمعابر الاستراتيجية. ويرى بعض المفكرين أن الحروب تشن مدفوعة بنوازع التوسع، أو بسبب ندرة الموارد أو بسبب الأزمات الداخلية. إن الحكومات التي تتعرض لأزمات داخلية حادة تلجأ لشن حروب خارجية من أجل تسعير المشاعر القومية، بإيجاد عدو خارجي، يجتمع حول مواجهته جميع أفراد الأمة.

ميز الفلاسفة بين الحرب العدوانية والحرب العادلة. فالحرب العدوانية هي بطبيعتها عنصرية وتوسعية، وتمثل عدواناً من القوي على الضعيف. أما الحرب العادلة، فتهدف للدفاع عن النفس ورد العدوان. وهناك من اعتبر الحروب الاستباقية حروباً عادلة، لأنها تأتي رداً على عدوان محتمل.

وطالما استمر الخلل في موازين القوة العسكرية والاقتصادية فسوف تستمر الحروب، يحكمها التوسع من جهة، والاستقلال وحق تقرير المصير من جهة أخرى. وسيستمر الحال على ما هو عليه إلى أن تتوصل البشرية إلى نظام دولي يحفظ الأمن والسلم.

في نظريات الدورة التاريخية هناك قراءات من النوع الحتمي للحروب، يشير بعضها إلى أن البشرية تشهد حتماً حرباً كبرى كل مئة عام، لكن أحداث القرن العشرين دحضت نظريات الدورة التاريخية، حيث شهد القرن حربين عالميتين مدمرتين، هما أكثر الحروب فتكاً وتدميراً في التاريخ الإنساني.

الرصد التاريخي يؤكد أنه ليس يكفي أن تكون القوة العظمى هي الأقوى اقتصادياً؛ بل إن الحرب شرط لازم لتتويج هذه القوة، على رأس صناعة القرارات الأممية، وتأسيس نظام عالمي جديد. فهذا النظام يصنعه في الغالب المنتصرون، كما حدث في الحربيين الكونيتين.

فالإمبراطوريات الفاشلة يتأكد فشلها بهزائم ماحقة تلحق بجيوشها. ويأتي الفشل في الحرب إعلاناً لنهاية وجودها، كما حدث مع الإمبراطوريات القديمة. وكما هو مع سقوط السلطنة العثمانية، حيث أطلقت الحرب العالمية الأولى رصاصة الرحمة التي أنهت حقبة «الرجل المريض بالأستانة».

الأزمات السياسية قد تودي بالإمبراطوريات، كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق، حيث مثل سقوط جدار برلين الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، معبداً الطريق للسقوط المدوي للإمبراطورية السوفييتية وللكتلة الاشتراكية، إلا أنه من الصعب تغييب دور الفشل العسكري لهذه الإمبراطورية في أفغانستان.

ولحظة التتويج للولايات المتحدة كقطب عالمي أوحد، لم تتحقق إلا بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية بقيادة الولايات المتحدة، وبزعامة الرئيس جورج بوش الأب. وكانت مرحلة استثنائية في التاريخ الإنساني لم تعمر طويلاً. فالعلاقات الدولية، حين تنفرد بالهيمنة عليها قوة وحيدة تعيد حضور قانون الغابة، ويختل فيها الأمن ويسود فيها الانفلات، وتعبد الطريق لانتشار ظواهر الإرهاب والتطرف.

عودة التعددية القطبية بعودة قيصر روسيا بقوة للمسرح الدولي، لن تكون استثناء من القاعدة. فهذه العودة لن تكون حقيقية ما لم تتوج بنصر عسكري حاسم تحققه روسيا في ميدان أو أكثر من ميادين الصراع الدولي. ولعل هذه القراءة تفسر لنا أسباب الأزمة الأوكرانية، وأيضاً التدخل الروسي في سوريا، تحت يافطة مكافحة الإرهاب.

وفي كل الأحوال، فإن بروز الإمبراطوريات وسقوطها مرتبط إلى حد كبير بالانتصار أو الهزيمة في حرب. وعلاقة الحرب بها هي علاقة جدل، ولسوف يستمر هذا القانون طالما استمر صراع الإرادات، معبرة عن اختلال في توازنات القوة واختلافات في المواقف والرؤى.