آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 4:21 م

أزمـة واقع عربي أم أزمـة بديـل؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

تمر بعض البلدان والمجتمعات العربية بمرحلة دقيقة وحرجة، تعد الأخطر في تاريخها الحديث، وذلك جراء استفحال جملة من التحديات الخارجية والتناقضات الداخلية التي تجابهها، والتي تتجسد في انكشاف غالبية البلدان العربية أمام شتى التدخلات الإقليمية والدولية، وتعاظم النزاعات والصراعات والحروب الطائفية والمذهبية والاثنية بين مكوناتها الاجتماعية.

والتي من شأنها زعزعة أوضاعها بل استئصال وجودها ذاته، في حال الفشل في إيجاد الحلول والمخارج الصحيحة والواقعية لها. الأسئلة المطروحة هنا: ما هي الأسباب والعوامل التي أدت إلى وصول العالم العربي إلى الطريق المسدود والأزمة البنيوية الخانقة التي يعانيها على الرغم من موقعه الجيو ستراتيجي الفريد والإمكانيات الضخمة التي يزخر بها كالموارد الطبيعية والمالية والبشرية والكفاءات العلمية الواعدة؟ ولماذا وصل حلم إقامة الدولة المدنية الحديثة إلى طريق مسدود.

حتى ما بعد الاحتجاجات والتحركات الثورية التي أسماها الغرب «الربيع العربي»، والتي أطاحت بقيادات العديد من الأنظمة العربية الاستبدادية / الفاسدة، والتي كان يظن أنها راسخة رسوخ الجبال، غير أنه جرى إعادة إنتاجها عبر واجهات أخرى، بداية لا يمكن القفز على حقيقة طبيعة الأزمة التي تعيشها غالبية النظم والمجتمعات العربية باعتبارها أزمة وطنية شاملة وعميقة ومركبة، تطال بنيانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني، وليس بالإمكان لأي حلول ترقيعية وسطحية وتلفيقية أن تخرج العالم العربي من الحال المزري الذي وصل إليه.

باختصار يمكن القول إنها أزمة الواقع والبديل أو البدائل المزعومة معا. وتعود هذه الأزمة في جذورها وأبعادها إلى عوامل وشروط تاريخية حكمت نشأة وانبثاق «الدولة العربية الحديثة» بمكوناتها وعناصرها الملتبسة وفي سيرورتها المرتبكة والمتناقضة، كما يعود إلى فشل وإجهاض المشروع النهضوي العربي «منذ أواسط القرن التاسع عشر»، نتيجة عجزه عن تمثل وإنجاز مسائل ومهام تاريخية تعد أساسية وحاسمة، سبق للمجتمعات الغربية أن حلتها وفقا لشروط تطورها الخاصة على امتداد ثلاثة قرون.

كما أن عددا من المجتعمات «في البلدان الأخرى» قطعت شوطا متقدما على صعيد تحقيقها. بعضهم يعزو ذلك إلى أسباب وعوامل تاريخية وخارجية كطبيعة السلطة العثمانية التي تميزت بالتخلف والاستبداد والفساد ثم المؤامرات والمكائد الاستعمارية التي تكللت في اتفاقيات سايكس بيكو التي أجهضت مشروع الاستقلال العربي وقطعت أوصال المنطقة العربية على هيئة مستعمرات أو سلطات حماية وانتداب تقاسمتها بريطانيا وفرنسا.

ومع أن هذه العوامل مهمة في إعاقة مشروع النهضة لكنها لا تعطي تفسيرا وتحليلا شاملا للمسألة، خصوصا أن بعض البلدان العربية مضى على استقلالها ما يزيد على نصف قرن وبعضها تجاوز ذلك بكثير. وهنا لا بد من التطرق إلى العوامل الداخلية الأخرى.

وأشير هنا إلى محاولات ومشاريع الإصلاح الديني، والتطوير والتحديث السياسي والفكري الذي قاده الرواد من رجال الدين والمثقفين المتنورين الذين احتكوا بالغرب ونهلوا من معارفه وعلومه، ولمسوا مدى تقدمه الحضاري والصناعي والعلمي وتأثروا بمستويات تطوره السياسي والاجتماعي والثقافي، وسعوا جاهدين للاستفادة من تلك المنجزات لتطوير الأوضاع في البيئة والتربة العربية، غير أنه مع وجود قواسم مشتركة بين النخب الدينية والثقافية والإصلاحية.

إلا أنهم تباينوا وانقسموا إزاء الكيفية أو الوسيلة الأفضل لتحقيق ذلك، خصوصا إزاء السؤال الكبير لماذا تقدم الغرب ولماذا تخلف العرب والمسلمون؟ حيث سعى تيار التجديد والإصلاح الديني إلى المواءمة والتوفيق بين الحضارة الغربية ومنجزاتها وبين التعاليم الإسلامية من حيث إخضاع الواقع ومقتضيات الحياة وفقا لفقه الواقع والمعاش والعمران البشري والمصلحة العامة التي تقتضي إباحة المحظورات وفقا للضرورات درءا للمفاسد وحفظا لمصالح الأمة، وبما لا يخالف جوهر الدين «القرآن والسنة»، مستندين في ذلك إلى الاجتهاد والاستقراء والتأويل والاستنباط والأخذ بقاعدة أسباب النزول وعدم الاكتفاء بفقه النصوص والشروح والتفاسير القديمة باعتبارها فكرا بشريا قابلا للصواب والخطأ والتجاوز..

وفي ما يتعلق بالاتجاه الإصلاحي الليبرالي فقد أخذوا على عاتقهم بث أفكار التنوير وإعلاء شأن العقل وترسيخ قيم الحرية والعدالة والمساواة «مبادئ الثورة الفرنسية»، وطالبوا بالتحديث السياسي ــ الاجتماعي ــ الاقتصادي، وتحرير المرأة وكافحوا من أجل الاستقلال والوحدة القومية للعرب.

واللافت هنا هو المساحة المشتركة والحرية المتاحة للتعبير وحق الاختلاف الذي كان سائدا بين دعاة التجديد والإصلاح الديني من جهة ودعاة الحداثة والعصرنة من الليبراليين والعلمانيين من جهة أخرى، دون أن يجرؤ أي طرف على تكفير وتخوين أو رفض وإلغاء الآخر.

غير أن المشروع النهضوي بشقيه الديني الإصلاحي والليبرالي واجه طريقا مسدودا، وفشل في ترسيخ مفاهيمه وتصوراته على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها رواد النهضة، والثورات والانقلابات التي اندلعت وتحققت من خلالها بعض المنجزات الملموسة، غير أنها سرعان ما تبخرت.

عبر مصادرة الدولة والمجتمع، والاستحواذ على الثروة والسلطة والقوة من قبل الفئات الحاكمة. مرة أخرى نتساءل هنا: في ظل هذا الحراك العربي غير المسبوق، لماذا يتعثر قيام الدولة المدنية، ويفشل توليد مشروع نهضوي عربي جديد؟.