آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «4»

محمد الشيوخ *

ج - المرحلة السياسية

في مرحلة الإصلاح السياسي «1987م - 1993»، التي بموجبها تغير مسمى الإطار ثانية ليصبح بمسمى «الحركة الإصلاحية»، تم التركيز على تكثيف النشاط السياسي والإعلامي والحقوقي، لتحقيق بعض المكاسب للشيعة، وتسليط الضوء على مشكلة «التمييز الطائفي»، بعد إن جرت مراجعة في القناعات الفكرية والمواقف السياسية لدى الحركة، تماشيا مع الظروف والمستجدات المحلية والإقليمية والدولية الجديدة، التي أعقبت إيقاف الحرب العراقية - الإيرانية، والتغيير الذي حدث في قناعة رأس النظام السياسي في المملكة، وغزو العراق للكويت عام1990م وانسحاب عام 1991م، فتعززت قناعة النظام أكثر بعد هذه المتغيرات باتجاه ضرورة احتواء الحركة وإنهاء النشاط السياسي والإعلامي الموجه ضده.

وقبل المرحلة السياسية الجديدة اتخذ رموز وكواد منظمة الثورة الاسلامية قرارا غير معلن بالاستقلال عن الحركة الأم التي يتزعمها آية الله محمد تقي المدرسي «ثم سرعان ما ترجم علنيا في مرحلة لاحقة إعلان استقلال الحركة في قرارها التنظيمي والسياسي»، وذلك نظرا للخلافات البينية العديدة والقديمة في وجهات النظر حول الشراكة في الحركة وآلية اتخاذ القرارات فيها، وكذلك ما ينبغي أن يكون عليه النشاط الموجه للملكة العربية السعودية، الذي يستهدف في المقام تحقيق بعض المكاسب للطائفة الشيعية، إلى جانب معالجة معضلة التمييز الطائفي، وتعزيز مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأمر الذي تطلب السعي إلى تحقيق تلك الأهداف من خلال الأدوات الملائمة لها.

ما ينبغي الإشارة اليه انه قبل عام 1987م، جرت جولات من الحوار السرية بين السلطة السعودية وكوادر الحركة الإصلاحية عبر وسطاء متعددين في لندن وسوريا وأمريكا. وفي 27 سبتمبر/ أيلول 1993، توجت تلك الجولات الحوارية، بسفر وفد من قادة الحركة الإصلاحية الشيعية إلى السعودية مكون من: الأمين العام للحركة الإصلاحية منذ عام 1991 توفيق السيف المعروف بتوفيق الشيخ، ونائبه جعفر الشايب المتحدث باسم اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في واشنطن، وعالم ديني هو صادق الجبران، وأستاذ جامعي يدعى عيسى المزعل. واستقبلهم الملك فهد في قصر السلام في جدة بحضور الأمير محمد بن نايف أمير المنطقة الشرقية، واستمر اللقاء ساعتين وكان وديا حسب مصادر الحركة. ونتج عن ذلك اللقاء قرارات وتوجهات فورية منها: إطلاق سراح 40 معتقلا سياسيا شيعيا، بعضهم كان قد صدر بحقه حكم بالإعدام، وإصدار جوازات سفر للذين يرغبون في العودة إلى البلاد، من أي اتجاه سياسي انتموا بما في ذلك أعضاء الحركات الشيعية الأخرى، وإعادة النظر في قرارات المنع، والتوجيه بدراسة المطالب الشيعية العامة [1] .

"حينها بدأت الحركة تتبنى خيارًا سلميا في شعارها السياسي، وتطورت وسائلها في هذا الاتجاه، وتكررت الإصدارات التي تحتوي على مقولات حول حقوق الإنسان، وحقوق الشيعة بوجه الخصوص. ومنذ ذلك الحين بدأت الحركة في تبنّي خيارات سلمية، وشعارات تدعو إلى الديمقراطية، أو تحقيق حقوق الشيعة، متدرجة في ذلك نحو الهدوء، موجهة طاقاتها الصراعية نحو حقوق الإنسان، الشيعي بوجه خاص، واستمر هذا الوضع حتى الربع الأول من التسعينيات.

وعلى إثر قيام الرئيس العراقي صدام حسين بغزو الكويت عام1990 ودخول المنطقة إلى عهد جديد، كان أحد إفرازاته أن تعمّق مبدأ التفاوض والحوار بين الحركة من جهة، والحكومة من جهة أخرى، انتهى بحل الحركة عام 1993م بعد جولات عدة من الحوار السرّي، حيث عاد العشرات من عناصرها إلى داخل البلاد، معلنة بذلك أنها حركة لا تستطيع أن تنمو في أجواء السلم والهدوء، بمعنى أنها حركة «نزاعية» في تأسيسها وتجذرها، تنمو في أجواء الصراع، وتتراجع في أجواء المسالمة.

وانعكست حالة «النزاعية» لدى الحركة على نمط العلاقات مع الأطراف الأخرى خلال تاريخها السياسي، مما جعل منها حركة ذات قيم متبدلة متناقضة، تبعًا لارتفاع أو انخفاض وتيرة الصراع مع الأخر، السياسي أو الاجتماعي.. فهي من البداية حركة اجتماعية دينية، تناقضت مع التوجه الذي تطلق عليه بـ «التوجه السطحي أو التقليدي الديني» في المجتمع، فتحالفت مع السيد محمد الشيرازي، وتبنّت الدعوة إلى مرجعيته كرمز من رموز رجال الدين الكبار المتنورين، ولكن بعد فترات النمو في الوعي السياسي تخلّت الحركة عن اللافتة الدينية المجردة، ليصبح شعارها «دينيًا مسيَّسًا» مع علاقة تحالف جديدة مع محمد تقي المدرسي «القائد والموجه السياسي للحركة» لتضعف قليلاً أواصر العلاقة مع السيد محمد الشيرازي، دون أن تنتهي، لأن الصراع الاجتماعي حول المرجعية الدينية في الوسط الشيعي لم يكن قد انتهى بعد، وفي تطور لاحق سوف نجد أن العلاقة مع محمد تقي المدرسي تنتهي وتتحول إلى «قطيعة»، في خطوة تبحث فيها الحركة عن صراع من جهة، وتحالف من جهة أخرى.

وفي هذا المجال، ومن مصاديق التبدل والمناخية في العلاقات، والنابع من الصراعية وتبدل القيم نجد أن حسن الصفار يؤكد في مجالسه الخاصة بأنه غير مرتبط بسلطة سياسية ولا مرجعية دينية، لكنه لغرض التحالف في خدمة الصراع ألّف كتابين يدل كل واحد منهما أنه موال لإيران وثورتها الإسلامية، هما: «أعلنا الولاء بالدم» و«قراءة في فكر الإمام الخميني» هذا في وقت كانت علاقته الولائية أكثر من قوية مع الشيرازي والمدرسي، وذلك من أجل خدمة الصراع مع السلطة السياسية، والسعي نحو تصعيده من أجل تقوية الذات.

لقد تطورت الحركة تبعًا لتطور صراعاتها في المجتمع، سواء مع السلطة، أو مع الفئات الاجتماعية المنافسة الأخرى، وينعكس ذلك على خط وأساليب الحركة، ففي فترة الصراع الفكري كانت تمارس إقامة الاحتفالات وإنشاء الهيئات، ومع تطور الصراع السياسي لجأت إلى أسلوب الخلايا السرية وبعث العناصر إلى الخارج لإخضاعهم لتربية حزبية، وتأهيلهم لمهام حزبية أخرى، لكنها مع أجواء الهدوء ضعفت وانحسرت، ولم يكن لها أي مشروع سياسي يذكر، في العلن على الأقل" [2] .

ويعزو الكاتب الصحفي سلمان العيد، وهو احد كوادر الحركة، هذا التحول إلى اسباب سياسية خارجية وأوضاع داخلية، أوجزها في أربعة عوامل أساسية:

أولاً: إن الحركة حينما تبنّت خيار الصدام مع السلطة أو الدعوة لإسقاطها، لم يكن القرار صادرًا عنها، أو حتى عن نضوج سياسي داخل المجتمع الذي تعمل الحركة خلاله، وإنما جاء خلال فترة ارتباط الحركة بالحركة الرسالية الأم، التي كانت تبحث عن إنجاز سياسي في مكان ما في العالم ليساعدها في تحقيق أهدافها في إقامة حكم إٍسلامي. لذلك فهي تسعى عبر فصيلها في السعودية للوصول إلى مثل هذا الإنجاز، كما حاولت تنفيذ عمليات وأنشطة سياسية في مناطق وبلدان أخرى عبر فصائلها الأخرى، كما جرى في العراق والبحرين. إلاّ أن الحركة «الفصيل» اكتشفت ـ بعد بضع سنوات من النضال، أن خيار الصدام مع السلطة خيار متقدم، لذلك بدأت تعيد النظر فيه شيئًا فشيئًا، ولم يكن بإمكانها إحداث التغيير في هذا الخيار مادامت منضوية ضمن حركة أكبر منها، وتسعى لأهداف بعيدة وسامية، تصدّر لها الخطط والقرارات، وتقترح لها الوسائل والسياسات، لذلك بدأت تعمل للتخلص من شرنقة الشعار الحاد بدءًا من التخلص من شرنقة الارتباط بالحركة الأم، فصار هذا القرار تابعًا للآخر، لذلك أعلنت استقلالها عن قيادة الحركة الأم في وقت متزامن مع أحداث النقلة النوعية في خطابها السياسي، وحينما قررت العودة إلى البلاد بعد تفاهم مع الحكومة السعودية، ارتفعت وتيرة غضب المدرسي، حتى أنه انتقدها انتقادًا حادا واعتبرها قد تبرأت من تاريخها، وقال عبارته الشهيرة: «من يتبرأ من تاريخه سافل»! وأعقبه أخوه هادي المدرسي بمحاضرة أورد فيها ألفاظًا يصعب ذكرها في هذا المكان!

ثانيًا: إن خيار الصدام مع الواقع السياسي بالشكل الحاد جاء متناغمًا مع أجواء سياسية ساهمت في إيجاده، وأجواء تعبوية رسخته، وأوجدت له قاعدة نظرية، تلك الأجواء تتمثل في الهيجان الكبير الذي أحدثته الثورة الإسلامية الإيرانية، التي أوجدت جيلاً يحمل قناعة بأن بعض الحكومات مرشحة لأن تسقط، وأن الواقع السياسي يمكن أن يتغير باتجاه النموذج الإسلامي الذي قدمته إيران.. غير أن هذا التنبؤ والتحليل بدأت تتهاوى أسسه خاصة إذا ما تمت مقارنة قدرات وإمكانيات الشعب الإيراني بالشعوب الأخرى، فالموج الثوري الذي أحدثته الثورة الإيرانية بدأ ينخفض مع مرور السنوات، وبدأت تظهر الحقائق أمام المتحمسين فتوصلوا إلى أن أقصى ما يمكن أن تعمله الحركة هو القيام بالضغط على النظام للحصول على استحقاقات معينة.

ثالثًا: لقد استتبع انخفاض الحماس الثوري في المجتمع، حدوث تململ داخل أفراد الحركة، إذ عاثت بهم سنوات الهجرة والغربة، وخلفت لهم مشاكل كثيرة على صعيد حياتهم الاجتماعية والمادية، مما أحدث انسحابات متكررة على صعيد الكوادر العليا، وانقسامات وخلافات حادة في أوساطها، ففي العام 1992 أعلن خمسة من قيادات وكوادر الحركة انسحابهم، بعضهم رجع إلى البلاد، والبعض الأخر بقي في الخارج ليعمل في التجارة.. كل هذه الظروف رسخت القناعة لدى الحركة بمدى ضعف وجودها في المجتمع، وعدم قدرتها على أحداث التغيير في الواقع، ما دفعها إلى التنازل الكلي عن الشعارات التي كانت ترفعها.

رابعًا: إن الحركة وجدت نفسها في عالم دولي يعج بالاستحقاقات، ولابد لها أن تتعاطى مع هذا الواقع المستجد، وأن يكون خطابها منسجمًا معه، وإلاّ عدت من الحركات المتطرفة العنيفة، فأخذت تتدرج في التخلص من إرث السنوات الأولى لبداية عملها، فغيّرت اسمها وجلدها وشعارها، وتحددت مطالبها في حقوق الإنسان، وبالتحديد حقوق الإنسان الشيعي باعتبارها حركة شيعية، ساهم في ذلك أن السلطة كانت قد فتحت مجالاً للحوار مع الحركة على أرضية هذه الحقوق، فأفرجت عن المعتقلين، وألغت بعض الإجراءات الأمنية، وسمحت لكافة أفراد المعارضة بالعودة إلى البلاد، ومن أجل نجاح هذا الحوار قدمت الحركة كل ما لديها «أو كل ما تستطيع» من تنازلات.

خلاصة الأمر أن الحركة وجدت نفسها في مأزق، أفرادها يريدون العودة إلى البلاد، والأوضاع غير مشجعة لها لأن تحدث تغييرًا في الواقع السياسي، فجاء القرار بحل الحركة وإغلاق كل مؤسساتها في الخارج والعودة إلى البلاد والتعايش مع ما هو قائم، بكل ما يحمل من ايجابيات وسلبيات [3] .

[1]  غرايبة، إبراهيم، "المسألتان السلفية والشيعية في السعودية، موقع الجزيرة، 2004م.
[2]  العيد، سلمان، "الحركة الشيعية في السعودية.. من الثورة إلى الإصلاح 1980 ـ 1994، مسار الأخبار، 2010م.
[3]  المصدر نفسه.
باحث في علم الاجتماع السياسي