آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 5:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما يكون التاريخ عهداً..

عقيلة آل حريز *

جميعنا يدرك بأنه قلة أولئك اللذين تتنهد الحياة بهم، وتتنفسهم بعمق.. أتوها كما تجيئ للأرض العطشى غيوم مثقلة بالغيث، فتبعث الحياة فيها.. ونسجوا أرواحهم على السجايا الحسنة فاكتملت هالاتهم وتكاملت أركانهم.. وبدوا لمن عرفهم كمصابيح ضوء تنفرج بهم ظلمة الطريق.. وبالرغم من قلتهم فهم من يستوعبون كلمة الحق، ويدركون حقيقة الأمانة، ويوفون العهود والمواثيق ويؤدونها..

تلك الأمانة التي لا تقتصر على الماديات بنفائسها، وإنما تشمل مسئولية الفكر والأخلاقيات والدين، وتتسع في شموليتها لتستقطب تعاملات الناس في إطار ضمني أكثر منه هيكلي، وإن كانت تحويه إحتواء شامل هو الآخر..

ومحاولة توظيف خطوط التاريخ، والعقيدة، والدين في حياتنا العامة وعدم حصرها في إطار الماضي، لهو شأن من الشئون التي يجب أن تعنينا - ولست أجد أن أية حياة نحياها منفصلة عن العقيدة ولا بمنأى عنها - فالعقيدة عنواننا، إن كنا مؤمنين.. والمثل الحي في الروحانية والإرتباط بالعقيدة هو تطبيقها على سجيتها ومحاولة تفعيلها، لا حبسها في إطار تاريخ وحدث مضى والإنفصال عنه كلية..

كل الشعوب تنتمي لمنهاجيتها الروحية وتتعهدها بالمعاهدة والولاء، لذا تظل تنتمي لها وتلتف حولها، ومهما تنوعت مداخلها، تبقى هي لها مرتكز تنهل منه وتعبأ حياتها من خلاله.. وفي حديثنا عن عيد الغدير.. البيعة فيه عنت مبايعة على قيم معينة فرضها الله فيها، كالأمانة والمسئولية والعهد والتبليغ وغيرها، عدا عن الولاية ونص التنصيب بالأمارة وحدث إكتمال الدين وشئونه، فالقيم والتعاليم عادة هي واحدة، ولا يمكن لإنسان أن يقبل أحدها ويرفض الآخر لأنه سيحدث خلل واضح في ما يعتقد..

لذلك قال تعالى ﴿يا أيها اللذين آمنوا أوفوا بالعقود .. فالبيعة عقد ولاية والتزام بأخلاقيات معينة في الدين.. كذلك هي حياتنا لابد أن تكون عهد والتزام، لذا لابد من مراجعة سلوكياتنا ﴿ وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم ومقايستها بمسئولية الأمانة التي حملناها وننتمي لها...

تبتدأ الحكاية بالعلاقة والمسئولية ومن له ومن عليه، أومن لا يريد أن تكون له مساءلة فيها، ولا أدنى تدخل من قريب أو بعيد كأنه بمعزل عما يدور حوله.. وفي مساءل خاصة تحصل عادة، كالتقدم لطلب الزواج مثلا، يدرك المرء أنه مسئول بحق عن الإجابة عن شخصية المتقدم ومع ذلك يحجم أو يلابس الأمور بالمرور تجاوزا لها، درءا للفتنة ومنعا للحرج وخوفا من الرفض والتسبب بقطع النصيب!، بينما لا يدرك أبعاد الأمر المترتب في حالة وجود خلل ملموس في شخص المسئوله عنه، فتنسحب النتائج نحو الترنح والفشل..! ويعود عهدا منقوصا، وأمانة سؤال مخروقة الإجابة أو مبهمة التوضيح..!!

وفي معرض الخلافات بين اثنين أو جهتين، نرى البعض يحجم عن التدخل والإصلاح من باب أن لادخل له ولا يريد أن يلف حوله تبعات الخلاف، وكأنه سيتكبد عناء شجار حين يقول كلمة حق، ويهدئ النفوس الثائرة حين تبرد نار العراك..

مطلوب بشكل أو بآخر من عاقل التدخل، من قريب أو بعيد، عليه أن يفعل، فلعله يعطي دفعة للحياة بينهما بكلمة طيبة تقال، وصنيع حسن يمتص مشاحناتهما، يحمل خفق الحياة ونبضها لهما، ولعل الأمر المشتعل ينطفئ على يديه من باب تخفيف الأحقاد على أقل تقدير، لا أن يتطور لقطيعة وجفاء وعداء دائم، فتموت كل وسائل التواصل وتنقبر..!، هذه أمثلة على سبيل الذكر لا الحصر..

إن الموقف الذي تنتهجه يحدد مسارك، يعكس هويتك، يمايز أخلاقياتك عن غيرك، يعطي لك عنوان كي لا تتلون بلون واحد تتشابه فيه مع غيرك، فتبدو ولا تبدو!.. كإنك إنسان عابر للحياة، مر بها على عجالة وأنتهى، بلا هدف، بلا سبيل، بلا أثر، بلا معروف ترك ولا عهد وفى.. فتغمرك موجة النسيان بعد الرحيل وتنفصل عن مسئولية العهد والتبليغ، فتحرم نفسك من الإصطفاف في صفوف الذين يسعون للكمال وينهمرون في سمائه كالمطر في صحراء قاحلة ليحيون النفوس الميتة، وينعمون برفقة المعاهدين بالولاء في حدث التاريخ الذي لا ينفصلون عنه..

ربما للحق، لم نحضر تلك الذكرى حضور جسدي، لم نعاينها معاينة شخصية، لم نصغي لخطاب الرسول يمسك بيد علي عليهما السلام ويتلو أمر السماء بعد حجة الوداع، لم نبايع بأيدينا مبايعة وقتية.. لكننا حضرناها بالروح، ونالتنا بركتها بالولاية، وبايعناها بالإنتماء للعقيدة ولآل البيت ، وجئنا نوفي البيعة حقها، ونوفي بالعهود ونتخلق بأخلاق نماذج الدين التي بعث الله بها الحياة لعالمنا فعادة تومض من جديد.. ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ، وليست إعادة الذكرى وإحياء المناسبة غير تجديد عهد وامتداد للأمانة التي أكمل الله بها ديننا: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .. فلنكن بقدرها..

قاصة وأديبة وصحفية سعودية «القطيف»