آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

ريـال الحاج أحمد!... قصة حقيقية

فوزي صادق *

قبل خمسة عقود تقريباً، حدثت قصة وعبرة لتاجر عصامي وحكيم يدعى الحاج أحمد بمنطقة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية، والذي أشتهر بتجارة الأقمشة والملابس، إذ كان يستوردها بالجملة من الهند وإيران والصين، ويبيعها بالتجزئة، وكانت العملة آنذاك الريال الفرنسي كما يسمى بمنطقة الخليج، أو الريال النمساوي كما يسمى بمنطقة الحجاز وشمال أفريقيا، وقبل ذكر قصة الحاج أحمد، سنسلط بعض الضوء على تاريخ الريال ثم نعود لبطل قصتنا.

كان مسمى العملة «الريال» والريال كلمة إسبانية الأصل، وتعني الملكي، وهي عملة فضية بها صورة للإمبراطورة ماريا تيريزا التي حكمت النمسا وهنغاريا وبوهيميا من عام 1740 إلى 1780، وتبدو الملكة بالصورة ممتلئة الجسم بالوجه الرئيسي، وبالخلف شعار النسر ذو الرأسين، وقد استخدمت عملة تالـر ماريا تريزا على نطاق واسع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في أفريقيا، ابتداءً من شمال أفريقيا حتى الصومال واثيوبيا كينيا وزنجبار إلى موزمبيق، وقد وجدت بأماكن مختلفة من العالم العربي خصوصا السعودية واليمن ومسقط وعمان بالإضافة إلى الهند.

لنعود الأن للحاج أبا أحمد.. كعادته، يوماً كان خارجاً إلي عمله، ومروراً بحارتهم توقف عند البئر التي يأنس برشف بعض مائها العذب البارد، وبينما كان يسحب الدلـو الخشبي، سقط الريال الفرنسي الوحيد الموجود بجيبه الصدري، حيث تلألأ بياضه مع أشعة الشمس وهو يبتعد عن عينه في أعماق البئر السوداء.

سقط قلب الحاج أحمد مع الريال داخل البئر، وسقطت مهجته وسعادته وطموحه مع الريال المميز، إذ كان ينوي دفعه كعربون لحاجيات زواج إبنه البكر، فذهب إلي عمله وهو مطأطأ الرأس، والحزن فوق سلة رأسه.

أنقضى أسبوع، وكل مرة يعبر بجانب البئر، قلبه يرف مع الريال الفرنسي الذي يناديه داخل البئر، وكأن البئر تصرخ عليه وتذله بأبتلاعه أياه، إذ لايفارق مخيلته بريق الريال وهو يسقط!

زواج أبنه على الأبواب، ومازال قلبه منكسراً، فأتخذ القرار صبيحة يوم خميس قبل أسبوع الزواج، وأستيقظ مبكراً، وذهب إلي رجال الغـوص بالبلدة، وأتفق معه رئيسهم على إخراج الريال، لكنهم طلبوا منه مبلغ خمسة ريالات مقابل إخراجه، إذ عرفت البئر بعمقها وخطورتها، فوافق على شرطهم، وبدأ العمل قبل الظهيرة، فشاع الخبر بين الناس، وتجمهروا كي يعرفوا الخبر، والحاج أحمد ينتظر ظهور الفرج بين المتجمهرين، والغواصون في كـر وفـر داخل وخارج البئر بين فينة وأخرى، وبين لحظات مراقبة وانتظار..

فجأة! خرج أحدهم وبيده ريال الحاج أحمد، وتعالت الأصوات والتصفيقات، وزغردة النساء، وكأنهم انتصروا على البئر العنيدة، فأخذه وقبله والإبتسامة تملأ محياه، وقال: الآن أرتاح قلبي، وأستطيع أن أمشي بجانب البئر مرفوع الرأس، ولا تذلني وتقتلني كل يوم ألف قتلة، ولا حاجة أن أبحث عن طريق آخر كي لا أرى البئر، والحمد لله أني اشتريت راحتي بخمسة ريالات فرنسية.

أخي القارئ الكريم: أشتري راحتك، سواء بالمال أو بالكلام، ولا تنام إلا وأنت قرير العين، وخاصة إذا أستطعت أن تسترد راحة ضميرك ورضا قلبك، فكم من إنسان يعيش ذليلاً وقيمة ذلك ثمن بخس!

كاتب و روائي - الدمام