آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

من أجل مشروع نهضويّ جديـد

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

السؤال المؤرق المطروح: هل بالإمكان استعادة فكر النهضة، وما هي عناصر المشروع النهضوي الجديد ضمن الشروط التاريخية والعوامل والظروف «الموضوعية الذاتية» السائدة، وأين يتقاطع «يلتقي ويفترق» مع المشروع النهضوي المجهض؟ العناوين الرئيسية في فكر النهضة تمثلت في الإصلاح والتنوير والحداثة، وعلى الرغم من الإنجازات المحدودة التي تحققت على هذا الصعيد إلا أنها وصلت إلى طريق مسدود ولم تواصل سيرورتها بصورة منسجمة على الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف على طرحها، واللافت أن هذه الأطروحات لاتزال تحتفظ براهنيتها كما تشكل مبعثا للخلاف والتناقض داخل السلطة والمجتمع والنخب وفيما بينها في البلدان العربية.

إذ من المعروف تاريخيا أن الدولة العربية الحديثة إلى حد كبير هي دولة موروثة من العهد الاستعماري الغربي، ومع أن الطابع العام لهذه الدولة في بداية نشأتها كان يتسم بالصبغة الليبرالية «الشكلية» الغربية غير أن ذلك كان يمثل القشرة الخارجية الرهيفة التي تغطي بوجه عام الطابع الاستبدادي المتخلف للدولة المستندة إلى العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية والمتداخلة والمتحالفة مع الإقطاع والملاك العقاريين والكمبرادور «البرجوازية الطفيلية والتابعة».

وبسبب الطابع غير المتكافئ في تطور المنظومة الرأسمالية العالمية، وفي تقسيم العمل الدولي، فإن ذلك أدى على نحو متصل ومستمر إلى تفاقم حدة الاستقطاب ما بين المراكز والأطراف، التي تشكل المنطقة العربية مركز القلب منها نتيجة لاتصالها واحتكاكها الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والثقافي بمركز النظام الرأسمالي «أوروبا العجوز» العالمي. لقد عانت المنطقة العربية والإسلامية لقرون عدة «خصوصا إثر اجتياح مقر الخلافة في بغداد وخروج العرب من الأندلس وهيمنة العثمانيين» من وطأة الانحطاط والظلام والجهل وهيمنة ثقافة القمع والاستبداد، وتصدر فقهاء السلاطين لتفسير وتأويل الدين والشريعة وفقا للأهواء والمصالح.

وغابت النزعة العقلانية والعلمية والنقدية التي اتسم بها الفكر الإسلامي في مراحله الأولى، كما انحطت وتدهورت قوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية وسادت علاقات خراجية طرفية متخلفة تمثلت في تأخر وبدائية الصناعة والزراعة والثقافة والمعرفة والعلم، مقارنة بالغرب الذي أنجز حداثته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على امتداد ثلاثة قرون ومن ثم أصبح في موقع الهيمنة والسيطرة العالمية على مناطق شاسعة من العالم ومن بينها المنطقة العربية حيث جرى على نطاق واسع تدمير القطاعات التقليدية «الزراعة والحرف» وإعاقة نمو القطاعات الإنتاجية الحديثة. واقتصر الاستثمار الغربي على المجالات التي تهدف لتلبية مصالح السوق الرأسمالية «المتربول» من السلع والمواد الخام «قطن ونفط» ولتشجيع فتح الأسواق أمام تصريف المنتجات الغربية. كل ذلك أدى إلى استمرار تخلف قوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية وأعاق إلى حد كبير التشكيل الطبقي الاجتماعي الحديث.

وهو ما شكل أحد العوامل المجهضة لمشروع النهضة العربي حيث ظل مشروعا نخبويا يفتقد الحامل الاجتماعي والأدوات السياسية والمؤسسات الثقافية والاقتصادية الحديثة. لقد استمد هذا الخطاب النهضوي مشروعه من خلال الاحتكاك والتفاعل مع الآخر «الغرب» المختلف من حيث مستوى تطوره وتقدمه الحضاري والاجتماعي والسياسي والثقافي والمعرفي والعلمي.

وكان يراد لهذا الخطاب أن ينجز النقلة الحضارية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للوضع العربي المتخلف بالمعنى المادي والمجازي «الرمزي» على كافة المستويات، مما أدخله في أزمة وصدام حقيقي مع هذا الواقع المحلي إلى جانب الموقف المعادي للدول الاستعمارية الغربية. والمفارقة اللافتة هنا تمثلت في تحالف المثقفين وممثلي الفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة المدنية والريفية والتي انحدرت وتشكلت منها كافة الحركات الراديكالية «الوطنية والقومية والماركسية والإسلامية» في بعض الدول العربية على إعلان العداء للجمهورية وسياساتها الليبرالية التي تخللتها ممارسات فساد وتمايز اجتماعي واسع وشيوع أساليب قمع واستبداد بالغة القسوة، وبما أن إمكانية هذه الحركات في الوصول إلى السلطة عن طريق اللعبة الانتخابية تكاد تكون معدومة نظرا لهيمنة التحالف الإقطاعي والبرجوازي «الكمبرادوري» واحتكاره لعناصر القوة والثروة..

لذا كان الانقلاب هو الأداة التي استندت إليها تلك الحركات للوصول إلى السلطة وكانت النتيجة أن الانقلاب الذي صادر الجمهورية باسم المجتمع عاد وانقلب على المجتمع من خلال الدولة حيث تم تهميشه وأبعد عن دائرة صنع القرار وجرت شخصنة الدولة والسلطة من خلال الزعيم أو الحزب القائد الذي استند إلى ايديولوجية شعبوية «وطنية وقومية». هذا الخطاب الشعبوي حظي بتأييد وزخم جماهيري واسع في البداية خصوصا أنه ارتبط بتحقيق إنجازات وطنية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية «في البداية» على أرض الواقع، غير أن هذه التجربة العربية «التي لها ما يماثلها في عدد من بلدان العالم الثالث» ارتبطت بتبني سياسات وممارسات ومواقف متناقضة أوصلتها إلى طريق مسدود.