آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

مفتي الناتو!

حسين العلق *

إن أعظم ما يمكن أن يقع فيه أي رمز ديني هو التناقض في الأقوال والازدواجية في المواقف. فذلك وحده كفيل بأن يعرض مصداقيته لامتحان عسير، ولربما أفضي إلى كشف عورته الدينية والسياسية تماما!.

يبدو أن الشيخ القرضاوي قد استجمع «شجاعته» أخيرا فأعلن الجهاد.. لكن ليس ضد اسرائيل كما كان منتظرا منذ زمن بعيد، بل ضد سوريا وإيران وحزب الله!. فبين عشية وضحاها تحول النزاع في سوريا الذي لم تكد تبقى قوة في الدنيا إلا وباتت ضالعة فيه، تحول بنظر القرضاوي إلى ساحة جهاد، تماما كما فعل من قبله أتباع تنظيم القاعدة من قاطعي الرؤوس ومنفذي الإعدامات الميدانية ونابشي قبور الصالحين.

نعم، فعلها الشيخ القرضاوي أخيرا باعلانه الجهاد ضد ايران ونيله من زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله، ووصفه إياه «بنصر الطاغوت» ووصف حزبه بحزب الشيطان، كل ذلك على خلفية التدخل الى جانب الحكومة في سوريا، وزاد القرضاوي بدعوته المقاتلين للتوجه الى سوريا للقتال الى جانب مسلحي المعارضة.

أستطيع أن أزعم هنا أن الشيخ القرضاوي وعبر مواقفه الأخيرة قد وضع مصداقيته على المحك، كما فرط بها سابقا!. وذلك في أكثر من محطة، ومن ذلك:

أولا: إعلان القرضاوي الجهاد وحض الشباب العربي القادر على القتال للتوجه لقتال الشيعة في سوريا، بعد اسبوعين فقط من تدخل حزب الله في القتال في سوريا، يدفعنا للتساؤل؛ أينك يا شيخ من اعلان الجهاد في فلسطين المحتلة منذ أكثر من ستين عاما، أم أن الجهاد ضد الجيش السوري أولى من الجيش الاسرائيلي!

ان اعلان القرضاوي الجهاد في سوريا سيبقى وصمة عار لا تمحوها بحار الدنيا، ذلك أن كل قطرة تسفك استجابة لهذه الفتوى المبتذلة ستكون في رقبته وتحت مسئوليته.

ثانيا: اذا كانت غيرتك يا شيخ على دماء أهل السنة والجماعة بلغت حد اعلان الجهاد في سوريا، فما بالك بقيت صامتا كالتمثال ازاء التواجد الأجنبي في قاعدتي «السيلية» و«العديد» وذلك على مرمى حجر من قصرك المنيف. أفتراك تظن بأن مقاتلات الناتو كانت طوال السنين الماضية تنثر باقات الورد على رؤوس أهل السنة والجماعة في افغانستان والعراق وليبيا مؤخرا!. فهل أخطأ من وصفك بمفتي الناتو!

ثالثا: دعنا نسألك يا شيخ، من باب الاستفسار فقط، هل صادف مرور موكبك ذات يوم في العاصمة القطرية أو المصرية ولفح وجهك علم دولة اسرائيل!. اسرائيل هذه التي أضحت بنظرك دولة صديقة، حقيقة لا مجازا، والدليل أنك لم تجرؤ على اعلان الجهاد ضدها ولو عن طريق الخطأ، سيما في اوقات «عناقيد الغضب » و«الرصاص المصبوب»، الذي كنت تنظر اليه ينزل على رؤوس الفلسطينيين بردا وسلاما على ما يبدو!!

مواقف القرضاوي تدفعنا للقول ان الفصل بين الدين والسياسة يعد مسألة عويصة خصوصا لدى رجال الدين!. ان مشكلة رجل الدين الغارق في السياسة حتى أذنيه أنه يفقد التمييز تماما حتى يخيّل اليه أن سياسته دين ودينه سياسة، وهنا تقع الكارثة، فالسياسة فعل متحرك قائم على تحقيق المكاسب الدنيوية بأي ثمن بينما الدين غير ذلك.

إن إعلان القرضاوي الجهاد في سوريا سيبقى وصمة عار لا تمحوها بحار الدنيا، ذلك أن كل قطرة دم تسفك استجابة لهذه الفتوى المبتذلة ستكون في رقبته وتحت مسئوليته.

كاتب سعودي