آخر تحديث: 28 / 10 / 2021م - 9:09 م

الكورنا على مائدة علي حسين

أثير السادة *

الكتاب: مائدة كورونا

المؤلف: علي حسين

الناشر: دار أثر - 2021

عدد الصفحات: 185 من القطع المتوسط

كمن يبحث عن أخبار أصدقائه، يتقصى الباحث العراقي علي حسين مواقف أكثر من عشرين مفكراً تجاه التحديات الجديدة التي فرضها الوباء طيلة العام المنصرم، يتخيلها مائدة، وهي كذلك، لما فيها من تنوع وتلون في الأسماء والأفكار والمواقف، مائدة بها من خرائط الكون، وخرائط الفلسفة التي تعاود الانشغال عن ماهية هذا الوجود ومصيره.

كورونا برأي علي حسين هو حديث المائدة عند كل الناس، الكل مشغول بتتبع أخباره وآثاره، بينما هو مشغول باكتشاف الأثر الفكري لهذا الحدث الكوني من خلال مائدة المفكرين تحديدا، يبدأ الإصدار المعنون ب”مائدة كورونا”بالعودة إلى الوراء، إلى سجالات الرأسمالية والاشتراكية، فالحدث برأيه أعاد إخراج ماركس من قبره، عبر تتبع عباراته حول ضرورة التوازن بين العمل من أجل الثروة والحفاظ على الوجود البشري من خلال المحافظة على البيئة، فهذا الجري المستمر لتعظيم الأرباح سيترك آثاره المدمرة على مستوى استقرار الإنسان.

السلوفيني سلافوي جيجيك صاحب الهجائيات المستمرة للرأسمالية سيجد في أزمة كورونا سببا للاعتقاد بولادة معنى جديد للمجتمع، يحمل في داخله بذور شيوعية جديدة، يرتكز على“فكرة التعاون والتضامن العالميين”، فالعزلة التي دفع لها الناس جعلتهم أكثر إحساساً بضرورة التعاون فيما بينهم، بينما يواصل الألماني يورغن هابرماس تأملاته في سؤال الحرية خلال الأزمة، وقرارات الحجر كطريق لمحاصرة المرض، باعتبار الحرية الفردية هي واحدة من تحديات الفكر الديمقراطي الحديث، مذكرا بأهمية الانتصار دائماً لفكرة الديمقراطية أوروبيا.

من أوروبا يطل علينا رويجيس دوبريه بسخريته وبخيباته التي تتصل بوجود الدولة وحمايتها للناس، يصف مواجهة كورونا بالحرب المضحكة التي تستوجب منك فقط الاختباء، وأن المرض ما هو إلا رسالة من الطبيعة لنا، لأننا لم نحسن التعامل معها، هذه الأزمة التي يصفها دوبريه بالصحية والاقتصادية والوجودية يتوسع مواطنه الفرنسي أدغار موران في شرحها وهو يضيف لها وجوها أخرى، فهي أزمة دولة وطنية، وأزمة اجتماعية، وأزمة حضارية أيضا، حيث غياب العدالة الاجتماعية، وغياب التضامن، ويذكر بحاجتنا إلى“وعي مشترك بمصير الإنسان”

الاسترالي بيتر سينغر هو الآخر يستمر في مناقشة البعد الأخلاقي لهذه الأزمة، مشيرا إلى الصراع المستمر بين فكرة انقاذ الاقتصاد وانقاد الأرواح، دون أن يخفي حيرته في إمكانية الموازنة بين الاثنين باعتبار التأثير المباشر للقرارات الاقتصادية على مستوى السعادة والرفاه الاجتماعيين، راجيا أن تنتهي هذه الأزمة بدروس تدفعنا للمزيد من التعاون والتضامن بين مختلف دول العالم، هذا التضامن لن يكون من خلال العولمة كما يشير اللبناني نسيم طالب، فالفايروس هو واحد من آثارها الجانبية على حد وصفه، مقترحاً العودة إلى ما يسميه النظام اللا مركزي حيث القرارات تتخذ محلياً، وإلا سنستمر في العيش ضمن عالم“هش للغاية”كما وسمه في واحدة من كتاباته الشهيرة.

التخلي عن الفقراء هو ما يشغل الروائي الطاهر بن جلون في هذه الأزمة، مستدعياً ما يجري في المجتمع الفرنسي الذي يحيا فيه، وأثر انعدام الخدمات الصحية في الضواحي الفقيرة، ليذكرنا بأن الديمقراطية هي“تدريب على المساواة”، وليس“التخلي عن البسطاء”، وهو الأمر الذي سيدفع الروائية التركية اليف شافاك لوصف الأنظمة التي تخل بمفهوم الحرية والمساواة بأنها الفايروس الحقيقي، مشددة على ضرورة أن يبقى الناس وطنيين وعالميين في آن، بما يضمن التعاون والتضامن بين الدول. الأمر ذاته عند الفرنسي تومس بيكيتي، صاحب كتاب“رأس المال في القرن العشرين”، حيث يلمح إلى اللا مساواة التي تسود العالم، وتجعل من أزمة كورونا أكثر وطأة على الفقراء، فيما يدعو إلى التفكير بجدية في“كيفية التوفيق بين الازدهار والمساواة.

في“مائدة كورونا”كلام كثير عن سيرة هؤلاء المفكرين والفلاسفة، وكلام قصير جداً عن موقفهم من أزمة كورونا، وجد المؤلف نفسه معنياً بشرح سيرة كل واحد منهم لفهم طبيعة تعليقاتهم عن المرض، وبعضها لم يتجاوز حوارات منشورة في صحف يتحدث فيها الكاتب عن مشاعره في أيام الحجر، وهو ما يذكرنا بطبيعة الارتباك الذي صاحب مشهد المرض عند كافة الناس، مثقفين واقتصاديين وسياسيين، حتى أن الجزء الأكبر اكتفى برمي الرأسمالية بحجر كجواب عن هذه الأزمة.