آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 3:45 ص

أحبوا أنفسكم بصدق «3»

بدر شبيب الشبيب *

علاقتنا بأنفسنا علاقة غير حميمة، فنحن رغم حبنا لها إلا إننا لا نبذل ما يجب من الوقت والجهد والمال للتعرف عليها عن قرب واكتشاف حاجاتها والقيام بحفظها وصيانتها ورعايتها. ولذا فإننا نرتكب الأخطاء الجسيمة بحقها من غير قصد، بل بقصد الحب كما نتوهم.

ولعل الدراسة المسحية التي قام بها الدكتور مصطفى سويف على عينة تمثل مختلف قطاعات المجتمع المصري، وذلك من أجل معرفة نظرة الناس إلى علم النفس، من حيث موضوعه وأهميته على الصعيد العملي، تكشف عن مستوى الاهتمام بالنفس ذاتها.

فقد كشفت الدراسة عن وجود أكثر من 1/5 أفراد العينة البالغ عددهم 500 شخصاً، يحمل تصوراً يضع علم النفس في صف واحد مع السحر والشعوذة، وأن 3/5 المستجوبين قصروا موضوع علم النفس على جانب واحد فقط، هو الجانب الانفعالي. واعترف خمسهم بعدم وجود أي تصور لديه عن الموضوع. ولم يستطع تقديم إجابة قريبة من الواقع، حول مجال اهتمام علم النفس سوى عشرة أشخاص فقط. وبيّنت الدراسة أيضاً أن 47% من العينة لا يعرفون أي عالم أو باحث يشتغل في حقل علم النفس.

وأن 40% أوردوا اسم فرويد «ومعظمهم لم يذكر إلا اسمه». بينما صرح 53% من المجموعة بأنهم لا يعرفون شيئاً عن علم النفس، ولم يقرؤوا أو يطلعوا على أي شيء يتعلق به. واقتصرت مطالعة 18% من العيّنة على كتب ليست ذات صلة بتراث علم النفس، ككتاب «كيف تكسب الأصدقاء؟... »، ومطالعة 10% على بعض ما كتبه فرويد أو بعض ما كُتب عنه.

في الحديث الماضي تطرقنا إلى ضرورة معرفة النفس كمدخل لحبها حبا حقيقيا، إذ بدون توفر المعرفة الحقة قد يوقع الإنسان نفسه في المهالك بسبب جهله. وفي القرآن الكريم العديد من الشواهد التي تبين انحدار الإنسان إلى حالة من انعدام الشعور لديه بما يحدث لنفسه من ارتكاسات خطيرة تتجه به نحو الهاوية. الشواهد كثيرة نختار منها:

﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ

﴿وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ

﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ

﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ

هذه الشواهد تطرح تساؤلا مُلحا حول المقدمات التي توصل الإنسان إلى تلك المرحلة المتقدمة من الموت السريري للنفس. فالمرض لا يستفحل فجأة، وإنما يعبر مدى زمنيا معينا من الإهمال والغفلة وعدم العلاج حتى يبلغ مداه في الانتشار أفقيا وعموديا فتتعقد عندها أمور الخلاص والشفاء منه، بل ربما تستحيل. وهذا ما يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: ﴿بَلى‏ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. يقول صاحب تفسير الأمثل في شأن هذه الآية: مفهوم إحاطة الخطيئة يعني انغماس الفرد في الذنب إلى درجة يصبح ذلك الفرد سجين ذنبه.

بعبارة أوضح، الذنوب الكبيرة والصغيرة تبدأ على شكل «فعل» ثم تتحول إلى «حالة» ومع الاستمرار والإصرار تتحول إلى «ملكة». وعند اشتدادها تغمر وجود الإنسان وتصبح عين وجوده. عندئذ لا تجدي مع هذا الفرد موعظة ولا يؤثر فيه توجيه ولا نصح، إذ أنه عمل عن اختيار على قلب ماهيته فمثلهم مثل دودة القز التي تلف حولها من نسيج الحرير حتى تمسي سجينة عملها.

من هنا وجبت المسارعة لاستدراك فساد النفس قبل فوات الأوان، وهذا لا يكون إلا بمعرفة النفس ذاتها وما ينجيها وما يرديها. ولأنه لا أحد يعلم بالنفس كخالقها اللطيف الخبير، فإن الرجوع إلى النصوص القرآنية المتعلقة بالنفس ستزودنا بالكثير من المعارف الجمة التي لا غنى لنا عنها لاستصلاح أنفسنا، وبالتالي محبتها حبا صادقا. ولو توقفنا مليا عند قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى لقادنا ذلك لطريق النجاة. وهذا ما أكد عليه الإمام الصادق في قوله: لا تدع النفس وهواها، فإن هواها [في] رداها. وتركُ النفس وما تهوى أذاها، وكف النفس عما تهوى دواها.

إن الطريق لحب النفس يمر عبر مجاهدتها ومقاومة شهواتها، وهو ما أسماه النبي ﷺ الجهاد الأكبر. فعن أبي عبد الله أن النبي ﷺ بعث بسرية، فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.