آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

مكونات وعناصر المشروع النهضوي الجديد

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

لقد فشلت أنماط التنمية العربية المختلفة في أغلب دول العالم العربي، أو كانت نتائجها محدودة الأثر على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وأصبحت مرتعا للفساد المالي والإداري ولتفشي المحسوبية والولاءات لأصحاب النفوذ والمصالح، ورافق ذلك تضخم الجهاز البيروقراطي المدني والعسكري والأمني للدولة.

وجرى على نطاق واسع تهميش المجتمع ومصادرة مؤسساته المدنية وإلغاء الحقوق والحريات الأساسية للفرد والجماعات، وتراجعت على نحو خطير قيم ومبادئ التسامح والعقلانية والتعددية الثقافية والفكرية، واستعادت الولاءات والانتماءات الفرعية التقليدية «القبلية والعشائرية والمناطقية والطائفية» حضورها وتأثيرها القوي على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية.

كل هذا أدى إلى مزيد من الاستقطاب الطبقي، والتدهور الاقتصادي، والاحتقان الاجتماعي، والاحتكار الإعلامي والثقافي، وسيادة خطاب ومنهج تعليمي قاصر مهمته تسطيح العقول والأفكار والممارسات. هذه الوقائع الخطيرة أدت إلى استفحال الأوضاع الحياتية والمعاشية للغالبية من الشعوب العربية التي يطحنها الفقر والبطالة وتردي الخدمات «تعليم ــ صحة ــ سكن ــ بيئة» والتدهور المستمر في مداخيلها ومستوى حياتها.

«لمن يشك في ذلك عليه مراجعة تقارير الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية العربية». مع أهمية دور العوامل الخارجية في هذه الأزمة غير أن العوامل الداخلية المختلفة لعبت دورا حاسما في تدهور الأوضاع العربية. إن تجاوز المعيقات التي تحكمت في خطاب النهضة المجهض، يتطلب التخلص من الرؤية والممارسة التلفيقية بين الثنائيات المتقابلة مثل القديم والجديد، الأصالة والمعاصرة، النقل والعقل، المحلي والوافد، الأنا والآخر، الوطني والقومي، الخصوصية والعالمية. حل وإنجاز هذه القضايا والمهام يمثل خطوة تاريخية حاسمة باتجاه التحديث والإصلاح والتنوير، ومن شأنه وضع الشعوب العربية على عتبة التقدم الحضاري.

إننا بحاجة إلى مراجعة مسؤولة وشاملة يشترك فيها الجميع، وكل الدلائل والشواهد تشير إلى استفحال الضغوط والتدخلات المتعددة الأوجه والاتجاهات «السياسية والإعلامية والاقتصادية والثقافية والعسكرية» التي تقوم بها القوى المتحكمة بنظام العولمة، والتي تستهدف «بصورة لا سابق لها» عموم المنطقة العربية، وتحت عناوين مثل الصراع الحضاري مع الإسلام / ومكافحة الإرهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل، أو الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات وإشاعة الديمقراطية في المنطقة.

غير أن الاستهدافات الحقيقية ليس الإسلام بعينه، فقد سبق أن تحالف الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد مع أطراف وقوى إسلامية «بما في ذلك تنظيم القاعدة»، بل أمدتهم بكل أشكال الدعم والمساندة المادية والعسكرية والسياسية والإعلامية «إبان الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي».

وذلك تحت لافتة مكافحة الشيوعية والتيارات القومية واليسارية والنظم الراديكالية في المنطقة والعالم. وضمن هذا السياق نفهم التنسيق والتعاون القائم الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما من جهة، وبين حركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة في بعض البلدان العربية من جهة أخرى. إن الاستهدافات الحقيقية للإمبريالية القديمة/ الجديدة «تظل على الدوام» وضع اليد بالكامل على ثروات ومقدرات المنطقة.

إن الرد الصحيح على كل ذلك يتمثل في تعزيز الجبهات الداخلية، وإتاحة المجال للمشاركة الحقيقية في صنع القرار وتحقيق إصلاحات عميقة في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتصدي لمشكلات الفقر والبطالة والمديونية والفساد، والعمل على إنهاء الطابع الريعي «الخراجي» والاستهلاكي عبر تنويع القاعدة الاقتصادية وتطوير قوى الإنتاج والعلاقات الاجتماعية.

والتأكيد على البعد الاجتماعي، وتعزيز دور الدولة في القطاعات الحيوية للشعب مثل الصحة والتعليم والخدمات والعمل ومراكز البحث العلمي، وترسيخ قيم التسامح والانفتاح والقبول بالرأي الآخر المختلف، والبحث عن المشتركات الوطنية والاجتماعية بين مختلف المشروعات والرؤى والتكوينات السياسية والفكرية.

ويتعين على الأطياف الثقافية والفكرية والسياسية كافة أن تتجاوز بصورة نهائية محاولة الإلغاء والإقصاء المتبادل فيما بينها، فتعدد قراءات الواقع هو الضرورة التي لا مناص منها لفهم الحاضر واستيعاب دروس الماضي وتعبيد الطريق أمام المستقبل.

فالحقيقة تظل «وهكذا دائما» نسبية وغير مكتملة في مجالها التاريخي والمعرفي، وأن أية محاولة لفرض رؤية وتصور أحادي الجانب تحت أية ذريعة وحجة هي محاولة عبثية من شأنها تدمير مقومات المجتمعات والمغامرة بالحاضر وسد أفق المستقبل.