آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «5»

محمد الشيوخ *

د - مرحلة الاندماج الوطني

وبدأت هذه المرحل في التشكل منذ عام «1994 - 2013»، أي بعد الاتفاق الذي جرى عام 1993م بين الحكومة السعودية والمعارضة الشيعية، وعودة الناشطين الشيعة إلى السعودية، وحل الحركة الإصلاحية، وتوقف النشاط السياسي والإعلامي المناوئ للنظام. حينها بدأ الناشطون الشيعة، وضمن إطار جديد بات يعرف ب«تيار الإصلاح الوطني»، يخوضون مرحلة جديدة من النضال السياسي السلمي. وكان أبرز معالم هذه المرحلة العمل على معالجة معضلة التمييز الطائفي من خلال عملية إدماج الطائفة الشيعية وطنيا.

وفي هذه المرحلة التي استهدفت صوغ علاقة طبيعية بين النظام والشيعة، تقوم على قاعدة المساواة بين المواطنين التي يضمنها النظام الأساسي للحكم في المملكة. وتركز بالدرجة الأساس على خيار مواصلة الحوار السياسي الجاد مع رموز النظام من الداخل لإقناعهم بهذا المشروع، والانفتاح على كافة المكونات الوطنية «الشيعية، والسنية» على حد سواء، وتجسير العلاقة مع التيارات والقوى الاجتماعية والسياسية الإصلاحية، وأصبح الاستهداف فيها مركزا على تحقيق ثلاث غايات أساسية:

الغاية الأولى، تلبي حاجة للطائفة الشيعية، تتمثل في التخلص نهائيا من مشكلة التمييز والتهميش القائم على مبررات مذهبية، والحصول على معاملة متساوية على قاعدة المواطنة، أي كون الشيعة سعوديين أولا، لهم جمع الحقوق التي يحصل عليها بقية المواطنين وعليهم نفس الواجبات والالتزامات. وهذا يستوجب تقوية بناء الطائفة الشيعية، وخلق توافقات داخلية صلبة بين القوى، ليتمكن الشيعة من الخروج من اسر هذه المعادلة، كما يستوجب أيضا طرح هذه القضية في سياقها الوطني العام، بوصفها مشكلة وطنية عامة وليست مشكلة شيعية فحسب، وإن كان الشيعة يعانون منها بصورة اشد من غيرهم. ومن ثم إدماج الشيعة من خلال ثلاثة مسارات: التمثيل الوظيفي، التطبيع الاجتماعي، وتحييد الجانب الديني في العلاقة بين المجتمع الشيعي والدولة.

الغاية الثاني، تلبي حاجة للدولة، تتمثل في التخلص نهائيا من القلق الذي يتسبب فيه الانقسام المذهبي وما يؤدي اليه من تحول الطائفة الشيعية إلى بيئة مساعدة للانشقاق على الدولة ومعارضتها، وكذلك ارتياب الدولة تجاه علاقة الشيعة بمرجعياتهم الدينية وبشكل عام المجتمعات الشيعية في الخارج. وهي مشاعر نتفهم أسبابها بغض النظر عن رأينا في صحتها أو خطئها.

الغاية الثالثة، تلبي حاجة للمجتمع، تتمثل في ضرورة تحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الحريات العامة، وحماية حقوق الإنسان، ونشر قيم ومبادئ الديمقراطية المتمثلة في المساواة، واحترام التعددية، وسيادة القانون، من خلال بناء تيار إصلاحي وطني عام يتفاعل بشكل ايجابي مع النظام من خلال القيام بمجموعة من الأعمال والأنشطة والمبادرات، التي تهدف إلى أحداث تلك التغييرات، بشكل هادئ وسلس، وفي ظل توافق عام بين النظام ومختلف التيارات السياسية والوطنية والقوى الاجتماعية.

ولتحقيق تلك الغايات تبنى قادة وكوادر تيار الإصلاح الوطني «وهم جزء من النخبة السياسية الشيعية في المنطقة الشرقية»، منهجية الحوار مع رموز النظام السياسي، ورموز التيارات والقوى الدينية الإصلاحية والسياسية الوطنية. "فبين بداية الحوار مع الدولة حول حقوق الطائفة الشيعية قبل عقد ونيف ويومنا الحاضر، جرت تطورات كبيرة على مختلف المستويات: فعلى مستوى الدولة جرى الإقرار بواقع التعددية المذهبية في البلاد، وقدمت الحكومة وعودا كثيرة بتحقيق مؤديات هذا المعنى على المستويات المختلفة، تحقق بعضها - فيما يتعلق بحرية الممارسة المذهبية خاصة - ولا يزال أمامنا الكثير منها ولا سيما تلك التي تتعلق بجعل المواطنة هي أرضية العلاقة الوحيدة بين الدولة والمجتمع. ونشير إلى قرار المملكة بالاندماج في النظام الدولي الجديد ومن أمثلته انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية وانفتاحها النسبي على الإعلام وتعاطيها الايجابي - نسبيا - مع المطالبات باحترام حقوق الإنسان. إلى ذلك فقد مر المجتمع السعودي بتطورات غير مسبوقة من حيث التعبير عن الرأي والمطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي ونقد الأوضاع السلبية الموروثة وهي أمور مشهودة لا تحتاج إلى تفصيل.

وعلى مستوى الطائفة الشيعية تحقق تطور ملموس في نظرة عامة الناس إلى الدولة التي أصبحت أكثر تفاؤلا وأقوى ميلا نحن التفاعل الايجابي ويظهر هذا بوضوح اكبر على مستوى النخبة والطبقات الحديثة، وان كان واضحا أيضا على مستوى القاعدة الشعبية. وفي هذا السياق فان التصور العام لدى الأكثرية الساحقة من المواطنين الشيعة يميل إلى القبول بالوضع السياسي والقانوني الراهن والعمل لتحسين الأوضاع في إطار النظام القائم وليس الانشقاق عليه كما كان في سنوات سابقة، وعلى المستوى الإقليمي فثمة تصاعد منتظم لدور الشيعة السياسي في الحياة السياسية في المنطقة عامة، ولا سيما بعد قيام النظام الجديد في العراق، وهو أمر يتجلى في الإعلام وفي مشاعر الناس على نحو متزايد بعد الحرب الأخيرة في لبنان.

أما على المستوى الدولي فعلى الرغم من تراجع الاتجاه الذي ساد في نهاية بداية العقد الجاري، والداعي إلى فرض الإصلاح السياسي على الأنظمة المحافظة، فان القناعة بضرورة تطور النظم التقليدية لم تتراجع، وثمة مشروعات عمل كثيرة تتبناها هيئات دولية تصب في هذا السياق، وهي تساهم مع العناصر المشار إليها سابقا في تحديد ملامح لمستقبل هذه المنطقة مختلف عن ماضيه وحاضره" [1].

وفي هذه المرحلة، الذي كان عنوانها الأبرز« إدماج الشيعة وطنيا» إلى جانب الانخراط مع شركاء الوطن الإصلاحيين في مشاريع عمل مشتركة تستهدف تحريك عجلة « الإصلاح الوطني العام»، شهدت العديد من الأحداث والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الهامة تمثلت في: التداعيات الطائفية التي نجمت في المنطقة جراء سقوط النظام العراقي عام 1993م، وأحداث 11 أيلول سبتمبر 2001م، وما أعقبه من سقوط نظام طالبان، ودخول المملكة في حرب قاسية مع تنظيم القاعدة في الداخل السعودي، ودخول المنطقة في أجواء حرب تموز 2006م، ومن ثم أحداث البقيع عام 2009م، وحروب إسرائيل على غزة، وكذلك أحداث الربيع العربي عام 2011م. كان لهذه الأحداث تأثيرات بالغة الأهمية عالميا ومحليا وإقليميا، وألقت بظلالها على مختلف التيارات والقوى والحركات السياسية في العالم العربي، ومن بينها تيار الإصلاح الوطني.

وشكلت بعض المواقف السياسية، التي صدرت من رموز وكوادر تيار الإصلاح الوطني، بسبب الأحداث السياسية الداخلية «حدث البقيع، والانتفاضة الثانية في المنطقة الشرقية» أو الخارجية كثورات الربيع العربي، شكلت تعارضا واضحا مع مواقف النظام الرسمي، الأمر الذي شكل انزعاجا رسميا. انزعاج النظام من مواقف تيار الإصلاح الوطني المتغايرة مع المواقف الرسمية، اثر سلبا على مسيرة الحوار والنقاش السياسي، الذي استمر أكثر من عقد ونصف من الزمان، ولم يحقق ما يصبوا اليه.

ويرى الكاتب مأمون فندي، الذي حلل التغير في خطاب المعارضة الشيعية أواخر الثمانينيات، وتحوله من الخمينية إلى التعددية الديمقراطية، بزوغ «التيار الليبرو - إسلامي» في السعودية منذ 1998م، وقد أعطى المثقفين الشيعة الفرصة لإعادة الاندماج في الساحة المحلية، وقد شهد خطابهم بعض التغيرات نتيجة لذلك. وما تزال الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني تشكل حجر الأساس في دعوتهم. ونتيجة لذلك، بحسب فندي، برز عنصران جديدان:

الأول، يمكن ملاحظة توكيدا أكبر على الإسلام مقارنة بأوائل التسعينيات، كما يوضح الشيخ زكي الميلاد: «نحن كشيعة لا نريد أن يُنظر إلينا باعتبارنا تلقائيا جزءا من الليبراليين، ولكننا نريد أن نتقدم بمشروع إصلاحي يكون ديمقراطيا وإسلاميا معا». وهذه الفكرة نفسها هي محور كتاب المفكر محمد المحفوظ: «الإسلام ورهانات الديمقراطية»، حيث يقول فيه: «لن نتطور ونرتقي في كل مستوى من مستويات وجودنا إلا بإتباع تعاليم الإسلام. إن الطريقة الوحيدة أمامنا كعرب ومسلمين للتطور والارتقاء هي دمج الإسلام والديمقراطية»، وبهذا يعكس خطاب المحفوظ آراء الليبرو - إسلاميين. وبالفعل لجعل تلك التركيبة ممكنة يتابع محفوظ قبل أن يشيد مطولاً بالاجتهاد: «ندعو إلى قراءة حضارية وإنسانية للإسلام».

والعنصر الثاني، أن القادة الشيعة اليوم يدعون إلى الوطنية السعودية، بحيث تعلموا العزف على نغمتها في خطابهم السياسي. ويشرح محفوظ: «نحن سعوديون، ونحب وطننا، وكل ما نطلبه هو أن تصبح وحدة الأمة السعودية حقيقية. وبهذا الإطار وليس بغيره نريد أن تتم تسوية المسألة الشيعية». ويضيف الشيخ زكي الميلاد: «لا نريد بعد الآن أن نتمثل ببقية الشيعة الذين يعيشون في دول الخليج العربي، ويُنظر إلينا على أننا الطابور الخامس للدول المجاورة. نريد أن نكون جزءا معترف به تماما من المواطنين السعوديين».

وبهذا يكون الخطاب الشيعي قريبا جدا من ذلك الذي يستعمله الليبرو - إسلاميون، وبالفعل يمكن اعتبار الشيعة جزءا من المشروع الإصلاحي الليبرو - إسلامي. وبالإضافة لذلك فقد تم فتح عدة قنوات اتصال وتواصل بين الليبرو - إسلاميين السنة والشيعة، مثل «منتدى الثلاثاء» على سبيل المثال، الذي رأى النور في عام 2000م في القطيف، ويشرف عليه الناشط الحقوقي جعفر الشايب، حيث استضاف عدة متحدثين بارزين من التيار الليبرو - إسلامي السني، مثل عبد الله الحامد وتوفيق القصيِّر.

وفي خطوة غير مسبوقة في السعودية، تم دعوة الشيخ حسن الصفَّار القائد التاريخي للحركة الشيعية في السعودية، لإلقاء محاضرة حول السلم الاجتماعي، في المنتدى الأسبوعي للدكتور راشد المبارك في الرياض في إبريل 2001م. ولم يكن مدير تلك الندوة سوى عبد الله الحامد، حيث حضرها العديد من الليبرو - إسلاميين، بحسب مأمون فندي.

وبعد أيام قليلة من احتلال العراق في 2003م، ظهر الشيخ حسن الصفار وهو من رموز الشيعة السعوديين الإصلاحيين، ليعلن أمام شاشات التلفزة الفضائية عن ضرورة رفع المظالم التي تُلحق بالشيعة في المملكة، وتمنعهم من الحصول على حجم مناسب من جهود التنمية في المناطق التي يعيشون فيها، لاسيما في المناطق الشرقية للمملكة «الاحساء والقطيف» التي تقطنها غالبية الشيعة، كما تحرمهم الانضمام إلى المؤسسات السيادية في الدولة كالجيش والخارجية والداخلية، وتفرض عليهم التعلم بمناهج دينية تختلف مع معتقداتهم، بل تقوم أساسا على تكفير الشيعة ووصفهم بالرافضة. وهى مطالب تعنى أساسا بوقف مظاهر التمييز السلبي، والذي استمر فترة طويلة سابقة [2].

وفي ذات العام قدم الشيعة الاصلاحيون إلى جانب شركائهم في الوطن للدولة مشاريع وأفكار ومبادرات عديدة، بعضها يستهدف معالجة المشكلة الشيعية، ك«مشروع الاندماج الوطني»، الذي قدمه نشطاء الشيعة [3]، أو عريضة «شركاء في الوطن» 2003م [4]، الذي وقع عليها450 من قادة الشيعة، واجتمع وفد منهم مكون من 18 شخصية مع الأمير عبد الله بن عبد العزيز. ووصف قادة الشيعة الاجتماع بأنه كان إيجابيا، وأكدوا فيه على مطالب الشيعة بالمساواة والإنصاف. وتعتبر العريضة برأي الدكتور حمزة الحسن الباحث السعودي في لندن من أهم العرائض، فقد وقع عليها عدد كبير يمثلون الاتجاهات السياسية والفئات الاجتماعية المختلفة، متدينين وعلمانيين وشيوعيين ورجال أعمال «أكثر من مائة» وكتاب وأكاديميين وعلماء الدين «حوالي خمسين» ونساء «24»، وكذلك قدمت وثيقة بعنوان «الإصلاح الدستوري أولا» في ديسمبر/كانون الأول 2003م، وبيان «رؤية لحاضر الوطن ومستقبله» 2003م، «دفاعاً عن الوطن» 2003م، «نداء إلى القيادة والشعب معاً: الإصلاح الدستوري أولاً» 2003م، «دولة الحقوق والمؤسسات» 2011م، «إعلان وطني للإصلاح» 2011م، «دعوة للإصلاح» 2011م، «رسالة شباب 23 فبراير إلى الملك» 2011م، «بيان الشباب السعودي بخصوص ضمان الحريات وأدب الاختلاف» 2012م، و«مبادرة القيادة للمرأة السعودية: خطاب الشعب لخادم الحرمين الشريفين» 2012م. وغيرها من البيانات، المعبرة عن مختلف أطياف المجتمع.

وبقدر ما تعبر هذه البيانات عن حجم التطلعات لدى الشعب السعودي، وتوقه للتغيير، تعكس أيضا عن إصرار متواصل في المطالبة بالتغيير والإصلاح وفق وسائل أقل كلفة من تنظيم الاعتصامات والمسيرات والإضرابات. هناك من يرى - خصوصا الشباب - عدم جدوائية مثل هذه البيانات والعرائض «المستهلكة»، بوصفها أساليب غير فعالة والبديل، بحسب وجهة نظرهم، هو البحث عن وسائل احتجاج ضاغطة لأنها ستكون أكثر فاعلية وجدوائية من طرائق الاستجداء.

كما وركز الناشطون الشيعة في هذه المرحلة على تعزيز ثقافة حقوق الإنسان من خلال إقامة الندوات والمحاضرات والدورات التدريبية وتأسيس الأطر والنشرات المهتمة بهذا الميدان، كما اتخذ الناشطين موقفا ايجابيا من المبادرات الوطنية الإصلاحية كمشروع «الحوار الوطني» الذي دشن عام 2003 و«الانتخابات البلدية» التي دشنت عام 2005م، وشاركوا فيهما بفاعلية، ولم يقتصر نشاطهم في هذين المشروعين بالمشاركة فقط، وإنما قاموا بتشجيع المواطنين الشيعة على ضرورة المشاركة الفاعلة في مثل هذه المشاريع، لتكون بمثابة الوقود الذي يمكن أن يحرك عجلة الإصلاح في الوطن.

ويرى الكثير من المراقبين للمشهد السعودي إن الخطوات الإصلاحية التي اتخذها ولي العهد الأمير عبد الله عام 2003م، المتمثلة في تنظيم مؤتمر للحوار الوطني والإعلان عن انتخابات بلدية جزئية - أتت نوعًا ما كاستجابة للمطالب المحلية المتزايدة، ولا يمكن اعتبارها بأي شكل من الأشكال نتيجة للضغوط الخارجية.

ويلاحظ في الخطاب الإعلامي والسياسي لتيار الإصلاح الوطني التركيز على احترام حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والتأكيد الدائم على ترسيخ مقومات الوحدة الوطنية والتعايش السلمي ونزعة الانتماء للدولة السعودية والولاء للوطن وإرساء الحوار، والدعوة لإدماج الشيعة سياسيا واجتماعيا، ليتسع عقد الدولة مع المواطنين لجميع المذاهب والأفكار والثقافات، وبخاصة أن السعودية بلد كبير وممتد ومتنوع جغرافيا وتاريخيا وسكانيا وثقافيا، فهو أقرب إلى القارة، ويتداخل مباشرة مع اليمن والعراق والشام والخليج العربي وإيران وحوض البحر الأحمر ومصر، وجعله الحج والتجارة متداخلا مع الهند وآسيا وأفريقيا، ثم جعله النفط متداخلا مع العالم ومراكزه المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين [5].

ومن اجل تقليل حدة التشنج الطائفي في المملكة ولإيجاد حد لفتاوى التكفير والتبديع التي تطال المواطنين الشيعة قام رموز تيار الإصلاح الوطني بعدة مبادرات تمثل بعضها في التواصل مع رموز التيار السلفي بدءا من اللقاء بالمفتي «الشيخ بن باز» عام 1995م، وعوض القرني وسلمان العودة ومحمد النجيمي وسعد البريك وغيرهم. وتبادلت اللقاء معهم لهذا الغرض، كما تم تأليف بعض الكتب التي تعزز هذا المنهج، ولعل أبرزها كتاب الشيخ حسن الصفار الذي جاء بعنوان« السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل»، وهو كما يتضح من العنوان، يقدم دعوة للسلفيين في إقامة علاقة ايجابية مع الشيعة تقوم على الاحترام المتبادل والتعايش السلمي المشترك. كما زار الشيخ محمد الصفار، وهو احد رجالات الشيعة في القطيف، مدينة عنيزة السنية للمشاركة في مهرجان شعبي أقيم في المدينة، وهي المعقل الرئيسي للسلفيين السعوديين، وقد حظي باستقبال حارا من قبل أمير المنطقة ورجال القبائل والأهالي ورجال الدين هناك. وكان لهذه الزيارة أصداء ايجابية على مستوى الوطن.

وفي شباط/فبراير 2011م بدأت أول مظاهرة في القطيف متأثرة بالربيع العربي مطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومن بينهم المنسيين «9سجناء تم اعتقالهم عام 1996 على خلفية تفجيرات الخبر دون محاكمة»، وكذلك المطالبة برفع التمييز الطائفي الذي يتعرض له الشيعة، إلى جانب مجموعة من الإصلاحات السياسية. وعلى اثر تلك المظاهرات، التي لازالت مستمرة بزخم ضعيف ومتقطع، قتل بعض المتظاهرين وجرح آخرين واعتقل مئات الناشطين. ومع أن موقف تيار الإصلاح الوطني المعلن لم يكن داعما ومشجعا لهذا الخيار لأسباب عدة، إلا انه في ذات الوقت كان رافضا وغير مؤيد بشدة طريقة تعاطي النظام مع المحتجين بعنف وقسوة، بل كان شاجبا ومستنكرا لتوجه الأجهزة الأمنية المتمثل في استخدام العنف والرصاص ضد المتظاهرين. كما كان يطالب على الدوام الدولة بالمبادرة في معالجة الأزمة، من خلال إجراء إصلاحات عامة في الوطن والاستجابة للمطالب المشروعة، كي لا تتفاقم المشكلة.

وعلى أثر تلك المواقف ونظائرها، التي تندرج في هذا السياق، تعرض ابرز كوادر ورموز هذا التيار إلى التحقيق والمسائلة والمنع من السفر والتوقيف أيضا، مثل ما حصل للشيخ الصفار الذي تم إخضاعه للإقامة الجبرية مؤخرا في الرياض لمدة 25 يوما، على خلفية استنكاره لبيان وزارة الداخلية الذي يتهم 16 شخصا من الأكاديميين ورجال الدين الشيعة بالتجسس لصالح إيران. وبسبب التوتر القائم بين النظام والشيعة نتيجة تلك الأحداث، توقف الحوار السياسي مع الدولة الذي بدأ بعد عودة المعارضة للداخل عام 1994م. وعادت العلاقة بين عموم الشيعة والدولة بسبب تداعيات الربيع العربي، والانتفاضة الثانية في المنطقة الشرقية، وحوادث سابقة، إلى المربع الأول.

وبحسب خاتمة التقرير الحقوقي الثاني لوزارة الخارجية الأمريكي في 1 يناير2006م - 30 ابريل 2007م، فأن نيل الطائفة الشيعية حقوقها سيظل مرهونا بإجراء إصلاحات شاملة وعميقة ومباشرة وفاعلة في النظام السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي السعودي، وإلا فان اغلب الظن، فأن الشيعة يسيرون في نفق مظلم ليس من اليسير بلوغ نهايته، سيبقى اللاعبون الشيعة يرمون بالكرة دون أمل في تسجل هدف الفوز، وستظل تصريحاتهم في وسائل الإعلام تسبح في الفضاء الواسع دون أن تدخل في قلوب وعقول صناع القرار، وستبقى الأقلية الشيعية تعاني من التهميش والطائفية حتى إقرار دستور يحول مملكة العائلة المالكة إلى مملكة السعوديين ودولة الأسرة الحاكمة وحلفائها من السلفيين والقبليين إلى دولة المواطنة والعدالة والمساواة والحرية.

على ما يبدوا أن هناك قناعة تشكلت وباتت تزداد رسوخا لدى الكثير من الناشطين الشيعة، ومن بينهم أعضاء فاعلين في تيار الإصلاح الوطني، مؤداها نفس الاستنتاج الذي خلص اليه التقرير أعلاه في خاتمته. وهو أمر يستوجب إعادة النظر مجددا لأولئك الناشطين الشيعة في تحديد أولويات المشاريع الإصلاحية الخاصة بمعالجة مشكلات الطائفة الشيعية، ومن ثم تحسين سياقاتها الملائمة، لتكون أكثر فاعلية وفائدة.

خلاصة القول، أنه منذ النشأة التاريخية لما بات يعرف اليوم ب«تيار الإصلاح الوطني»، وفي المرحلة التأسيسية «1971 - 1978»، ركز أعضاؤه الشيعة السعوديين المنتمين في «حركة الطلائع الرساليين» جهودهم على قضيتين جوهريتين: تقديم الدين في قالب جديد «التجديد الديني»، تثبيت وجود التيار الشيرازي الجديد في شرق المملكة العربية السعودية. وفي مرحلة التغيير الثوري «1979 - 1986»، الذي بموجبه شكلت «منظمة الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية» بعد حدث الثورة الاسلامية في إيران 1979م وانتفاضة المنطقة الشرقية1980م، تم التركيز على الدعوة إلى التغيير الجذري والشامل في المجتمع السعودي، ونشر الوعي الديني الحركي «الرسالي» في المجتمع الشيعي للإنهاض بالشيعة. وتميزت هذه المرحلة بالصدام السياسي الحدي مع النظام السياسي، والصراع/التنافس الاجتماعي مع القوى المحافظة في المجتمع الشيعي، كما ظلت المنظمة منذ نشأتها عام 1979 حتى 1986م على علاقة عضوية بحركة الطلائع الرساليين تحت قيادة محمد تقي المدرسي.

أما في مرحلة الإصلاح السياسي «1987 - 1993»، التي بموجبها تغيير مسمى الإطار ثانية ليصبح بمسمى «الحركة الإصلاحية» تم التركيز على تكثيف النشاط السياسي والإعلامي والحقوقي، لتحقيق بعض المكاسب للشيعة وتسليط الضوء على مشكلة التمييز الطائفي. في حين بدأت مرحلة الاندماج بالتشكل منذ عام «1994 - 2013»، أي بعد الاتفاق الذي جرى عام 1993م بين الحكومة السعودية والمعارضة الشيعية، وعودة الناشطين الشيعة إلى السعودية، وحل الحركة الإصلاحية، وتوقف النشاط السياسي والإعلامي المناوئ للنظام.. حينها بدأ الناشطون الشيعة من الداخل، وضمن إطار جديد بات يعرف ب«تيار الإصلاح الوطني»، يخوضون مرحلة جديدة من النضال السياسي السلمي الوطني. وكان أبرز معالم هذه المرحلة العمل على معالجة معضلة التمييز الطائفي من خلال عملية إدماج الطائفة الشيعية وطنيا، ونشر ثقافة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، والعمل مع شركاء الوطن الإصلاحيين على تحريك عجلة الإصلاح السياسي الوطني.

[1] لقاء مع توفيق السيف، احد ابرز رموز تيار الإصلاح الوطني 2012م.

[2] أبو طالب، حسن، " المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية، موقع البينة، 2004م.

[3] هذا المشروع قدم للأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود عام 2008م ولعدد من أصحاب السمو الملكي والمسؤولين في الدولة، وتم تقديمه من قبل كلا من الدكتور توفيق السيف والدكتور صادق الجبران والمهندس جعفر الشايب والأستاذ محمد باقر النمر.

[4] 450 ناشطا شيعيا يقدمون عريضة للامير عبد الله تذكرة بشراكتهم وحقوقهم في الوطن، صحيفة القدس العربي 1/5/2003. ودعت العريضة إلى دعوة الحكومة علنا لاحترام جميع المذاهب الإسلامية، ومنها المذهب الشيعي، وتمثيلها في المؤسسات الإسلامية التي ترعاها المملكة، كرابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والمجلس الأعلى للمساجد، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، وتشجيع تواصل علماء الدين في المملكة مع سائر علماء المسلمين من المذاهب الأخرى، والعمل علي ما يحقق التقارب والتعارف بين المذاهب الإسلامية.

[5] غرايبة، إبراهيم، "المسألتان السلفية والشيعية في السعودية، موقع الجزيرة، 2004م.
باحث في علم الاجتماع السياسي