آخر تحديث: 20 / 4 / 2021م - 1:22 ص

أنصفوا خصومكم «2»

بدر شبيب الشبيب *

في أواسط القرن الماضي «العشرين» نشر الأستاذ محمد خليفة التونسي كتاب «الخطر اليهودي - بروتوكولات حكماء صهيون». وفي 1961 كانت الطبعة الرابعة من الكتاب تحمل على غلافها العبارات التالية: «أول ترجمة عربية أمينة كاملة مع مقدمة تحليلية في مائة صفحة. تقدير الكتاب وترجمته للأستاذ الكبير عباس محمود العقاد».

الكتاب هو عبارة عن ترجمة من الأستاذ التونسي لما يعرف ببروتوكولات حكماء صهيون. ويزعم الكتاب الأصل أن زعماء الصهيونيين عقدوا أول مؤتمر لهم بمدينة بال في سويسرا سنة 1897 برئاسة زعيمهم هرتزل، وقد اجتمع في المؤتمر نحو من 300 من أعتى حكماء صهيون يمثلون خمسين جمعية يهودية، وقرروا فيه خطتهم السرية لاستعباد العالم كله تحت تاج ملك من نسل داوود.

يصف المترجم الكتاب بأنه أخطر كتاب ظهر في العالم. ثم يضع شروطا قاسية جدا لاستيعاب الكتاب وتقديره، فيقول: ولا يستطيع أن يقدره حق قدره إلا من يدرس البروتوكولات كلها كلمة كلمة في أناة وتبصر، ويربط بين أجزاء الخطة التي رسمتها، على شرط أن يكون بعيد النظر، فقيها بتيارات التاريخ وسنن الاجتماع، وأن يكون ملما بحوادث التاريخ اليهودي والعالمي بعامة لا سيما الحوادث الحاضرة وأصابع اليهود من ورائها، ثم يكون خبيرا بمعرفة الاتجاهات التاريخية والطبائع البشرية.

وفي أوائل القرن الحادي والعشرين، وبالتحديد في 2003 أصدر المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري - وهو الخبير المتخصص وصاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد - أصدر كتابه: البروتوكولات واليهودية والصهيونية.

وفي هذا الكتاب دحض الدكتور المسيري أقوال الأستاذ التونسي، وبين في دراسته أن البروتوكولات بحسب البحث العلمي وثيقة مزيفة، وذلك استنادا إلى مجموعة من القرائن الخارجية المتمثلة في بعض الحقائق التي نُشرت عن أصول البروتوكولات، بالإضافة للقرائن الداخلية الدالة على أن الوثيقة «مشوشة ساذجة، تفتقر إلى ترابط الأفكار» كما يتبين من تحليل النص ذاته.

سؤال: ما الذي جعل الأستاذ التونسي يصدق بفكرة البروتوكولات ويذهب بعيدا في الاعتقاد بها ومن ثم ترجمتها وترويجها؟ وما الذي جعل الأستاذ العقاد يثني على الكتاب ومترجمه؟

الجواب هو أن موقفَي الرجلين ينطلقان من أرضية واحدة هي أرضية الخصومة والعداوة للصهيونية في شكلها غير المتحري للإنصاف، مما جعلهما يقبلان بمقولات مرسلة لا سند لها يرددها أنصار الفكر البروتوكولي التآمري، كمقولة أن «كل من ترجم الكتاب في إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا قد قتلوا جميعا، وأن الصحف التي نشرته قد نسفت، لأن اليهود حريصون على أن يظل سرا».

يعلق الدكتور المسيري على ذلك فيقول: وأنا لا أعرف «ولا يعرف أحد من أساتذتي أو أصدقائي أو طلبتي أو طالباتي» واقعة واحدة حدث فيها أن قُتِل ناشر أو مترجم للبروتوكولات، وما أعرفه أن البروتوكولات طبعت مئات الطبعات وترجمت إلى معظم لغات العالم، وكانت من أكثر الكتب شيوعا بعد الإنجيل. وقد بقي الأستاذ التونسي نفسه على قيد الحياة لما يزيد عن عشرين عاما بعد أن تحلى بالشجاعة واستعد للشهادة وترجم البروتوكولات ومات ميتة طبيعية لم تثر أي شكوك حولها.

الدكتور عبد الوهاب المسيري هو الآخر خصم عنيد للصهيونية ولكن خصومته تختلف اختلافا جذريا عن خصومة الأستاذين التونسي والعقاد، حيث اتسمت بالعلمية والموضوعية وإنصاف الخصم، وبالتالي تخلص المسيري من القوالب الجاهزة لرؤية الآخر وتفسير ما يصدر عنه أو ينسب إليه من قول أو فعل بما يتوافق وهذه القوالب. لذا استطاع أن ينجز مشروعا رائدا ما كان له أن ينجزه لو ارتكز على موقفه المعادي للصهيونية دون تحري العدالة.

إنصاف الخصم أمر غير ميسور لكل أحد، خصوصا عند اشتعال الحرائق وتشابك المصالح واشتداد حالة الاحتقان، حيث يخفت صوت العقل وتعلو لغة التحريض والتهييج، مما يسمح بتمرير الرسائل المسمومة لأن القابلية لامتصاصها متوفرة في أجواء التشاحن والتخاصم. ولكن المنصفين وحدهم من يستطيع أن يقرأ ذاته والآخر قراءة واعية قابلة للحياة.