آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «6»

محمد الشيوخ *

ب - حزب الله الحجاز/ أنصار خط الإمام

هو ثاني اكبر الجماعات الدينية والسياسية الشيعية في السعودية. ويؤمن أتباع أنصار خط الإمام بنظرية ولاية الفقيه، التي طرحها الإمام الخميني، وكانوا يرون فيه مرجعاً دينياً وسياسياً. وقد تشكلت على يد مجموعة من رجالات الدين السعوديين في المنطقة الشرقية، أبرزهم هاشم الشخص، عبد الكريم الحبيل، حسين الراضي. وبعد وفاة الخميني صار الإمام علي الخامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية حاليا، هو المرجع والقائد السياسي لهذه الجماعة.

وتعرف هذه الجماعة محلياً باسم أنصار خط الإمام «الخميني» أو «حزب الله الحجاز»، وأحياناً تعرف خارجياً ب «حزب الله السعودي». المنتمون إلى هذه الجماعة يفرقون بين مصطلح «حزب الله الحجاز» ومصطلح «خط الإمام». فالأول يشير إلى الجناح العسكري لهذه الجماعة، بينما الثاني يشير إلى التيار الديني والسياسي، وكليهما توجهان منفصلان لكنهما منسجمان فكريا. غالبية الناس في المجتمع السعودي لا يفرقون بين هذه التصنيفات، وعادة ما يتم التعاطي مع هذه المصطلحات بوصفها شيئا واحدا أو كتلة واحدة.

بيد أن الشائع عن هذه الحركة/الجماعة، إنها تأسست عام 1987برعاية إيرانية، وذلك على خلفية تأزم العلاقات السعودية الإيرانية، نتيجة انحياز الرياض مع العراق في الحرب، وكذلك ما جرى في الحج سنة 1987م، حيث تم أطلاق النار على العشرات من الحجاج الإيرانيين في مكة المكرمة. حينها تم تأسيس «حزب الله الحجاز»، بعد ما رفض الشيرازيون القيام بأعمال مسلحة ضد بلدهم سنة 1987م. وعلى أثر ذلك قام «حزب الله ـ الحجاز» بعدد من التفجيرات «المحدودة» في بعض المواقع النفطية، قامت السلطة على أثرها بفصل العشرات من المواطنين الشيعة من أعمالهم، ومنعتهم من العمل في شركة ارامكو السعودية، وضيقت عليهم الأوضاع المعيشية وزادت ـ حينها ـ نسبة الضرائب غير المباشرة، والتي لها جانب اقتصادي ناجم عن انخفاض أسعار البترول في الأسواق العالمية منذ العام 1985 وحتى 1989م [1] .

وعلى خلفية بعض التفجيرات التي اتهم بهاء حزب الله الحجاز تم إعدام أربعة أعضاء من الحزب عام 1988م «خالد العلق، محمد القروص، علي خاتم، أزهر الحجاج». كما اتهم الحزب بالوقوف وراء التفجير الذي استهدف مقر سكن الجنود الأمريكيين في مدينة الخُبر السعودية عام 1996م، الذي أودى بحياة 19 جنديا أميركياً، وجرح أكثر من 360 جنديا من جنسيات متعددة. ولكن الحزب ينفي هذه التهمة، التي بسببها تم تفكيك العديد من خلايا الحزب واعتقال العديد من الناشطين، ولازال بعضهم «التسعة المنسيين» معتقلين حتى اللحظة. ونظرا لعدم محاكمة هؤلاء السجناء، وتوجيه إي اتهامهم صريح يدينهم في هذه القضية، ولتبني تنظيم القاعدة على لسان أسامة بن لادن حادثة التفجير، تساور الشارع السعودي، خصوصا في الوسط الشيعي، حالة من الشك في الطرف الذي قام بهذه الحادثة.

ونظرا لظروف نشأة حزب الله الحجاز، وارتباطاته المباشر بإيران، وتبنيه لعدد من التفجيرات «المحدودة» في بعض المواقع النفطية في المملكة، وضمن ظروف خاصة، ارتسمت صورة قاتمة السواد في ذهنية الشارع السني، عن كل ما يرتبط بهذه الجماعة دون تفريق بين جناحه العسكري وخطه الديني السياسي. وبحسب الكاتب والباحث السعودي في تنظيم القاعدة بالمملكة، فارس بن حزام، فأن بداية حزب الله الحجاز في الثمانينيات من القرن الماضي، كانت بداية فكرية دعوية، لا ترتبط بالسلاح، لكنه شيئاً فشيئاً ظهر له جناح عسكري، ليبدأ في التخطيط لعملياته بعد حرب تحرير الكويت؛ بغية إخراج القوات الأميركية من جزيرة العرب.

بين خط الإمام وتيار الإصلاح الوطني

الإقرار بوجود مواقف متماثلة بين «خط الإمام» و«تيار الإصلاح الوطني» لا يلغي حالة التمايز الشديدة بينهما في العديد من المواقف السياسية أو الرؤى والأفكار والبرامج والأنشطة. ويمكن إيجاز التمايز في نواحي عديدة أبرزها ما يلي:

1 - يعتقد غالبية أعضاء خط الإمام بنظرية ولاية الفقيه بوصفها أطروحة دينية وسياسية، وبالتالي هم يرجعون في تقليدهم الفقهي والسياسي إلى مرجعية واحدة المتمثلة سابقا في الخميني واليوم في مرشد الثورة الإيرانية الخامنئي. في حين أن أعضاء تيار الإصلاح الوطني، يرجعون فقهيا إلى مرجعيات متعددة «الشيرازي، السستاني، فضل الله» وليس مرجعية واحدة، كما أنهم متحررون سياسيا من سطوة المرجعية، بمعنى أنهم فصلوا العمل السياسي عن تأثيرات المرجعية الدينية، كي لا يرتهن العمل السياسي لقرار مرجعي، وبالتالي يصلون إلى نقطة تصادم. فعلاقتهم بالمرجع علاقة دينية وليست علاقة سياسية.

2 - إن موقف حزب الله من الحوار السياسي الذي جرى بين تيار الإصلاح الوطني «حركة الإصلاح» سابقا، والنظام السعودي في التسعينات1993م، والذي بموجبه عادوا إلى البلاد، كان موقفا سلبيا ومتشددا، لكنهم استفادوا من الحوار مع الحكومة وعادوا إلى البلد بموجبه أيضا مع أنهم غير مؤيدين لفكرة التواصل مع النظام وبياناتهم تشهد بمواقفهم المتشددة. وكما كان موقفهم السابق رافضا للحوار مع النظام، ظل كذلك حتى هذا الوقت ولكن بحدية اقل، بل إن بعض الأطراف وإن كانت غير منخرطة في الحوار السياسي مع الدولة إلا إنها تؤيد ضمنيا فكرة التواصل مع النظام. ولكن لا يعلنون صراحة عن موقفهم خشية من ردة فعل معظم أنصار خط الإمام المتشددة حول هذا الموضوع وغير المؤيدة لسياسة الصفار في التحرك الأكثر تصالحا مع النظام، لأنهم لا يثقون بالعائلة المالكة والحكومة.

وبحسب المؤشرات الراهنة فأنه حتى اللحظة الراهنة، لا توجد لقادة خط الإمام رؤية متبلورة للتواصل السياسي مع الحكومة، وهكذا فيما يتصل بالعلاقة مع الأطياف الأخرى، إذ لازال الحزب يعيش حالة من الانكماش والتقوقع على ذاته. بعض الدارسين لسلوك لحزب الله السعودي، يعزون تلك الحالة إما إلى افتقار الحزب لعناصر سياسية قادرة على قراءة الواقع السياسي/الاجتماعي المحلي بشكل صحيح، ومن ثم بلورة خيارات جديدة من النشاط، أو لعدم وجود قناعة لدى رموزهم بجدوائية هذا الاتجاه. وربما راجع لكلا الأمرين معا.

في كل الأحوال، فإن غياب الرؤية الواضحة حول الانفتاح البناء على مختلف القوى السياسية الوطنية، على الأقل، قد يساهم في تكريس عزلة الحزب أكثر، وربما يحد من فاعليته على الصعيد الاجتماعي والوطني لاحقا.

المرونة حيال التواصل مع النظام

لقد جرى التنويه سابقا إلى وجود مرونة لدى بعض رموز الحزب، فيما يتعلق بالتواصل مع الحكومة، بل إن بعضهم كالشيخ عبد الكريم الحبيل والسيد حسن النمر مثلا، باتوا يتواصلون مع أطراف حكومية، لمعالجة بعض المشاكل السياسية الطارئة أو إيضاح الموقف الشيعي حيالها، وان كان بشكل غير منتظم وبدون رؤية سياسية واضحة. ويمكن إرجاع المرونة تلك إلى العوامل التالية:

1/ وجود هامشا لا بأس به من الحرية في ممارسة بعض الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية، مما يفرض على رموز الحزب الانفتاح على بعض القوى الاجتماعية والمذهبية.

2/ قناعتهم بأن الأحداث السياسية، خصوصا المتعلق منها بالطائفة الشيعية، تفرض عليهم أحيانا نمطا معينا من التواصل مع الدولة والانفتاح على القوى الوطنية.

3/ مرونة الموقف الإيراني الذي اصبح أكثر اعتدالا في التعاطي مع الأنظمة القائمة في المنطقة، خصوصا في فترة الرئيس خاتمي بالتسعينات.

4/ شعورهم بوجود فرص في التعامل مع الدولة والانفتاح على مختلف القوى الإصلاحية الوطني.

5/ وجود نماذج قائمة في المجتمع الشيعي «التقليديون الجدد، تيار الإصلاح الوطني» تمارس مثل هذه الأدوار.

ومع إن تلك العوامل وغيرها، تحفز بعض رموز خط الإمام للانفتاح بشكل اكبر، سواء على الدولة أو الجماعات الوطنية الأخرى. إلا إن خشيتها من ضغوط قواعدها الشعبية الرافضة للانفتاح والتواصل، وعدم وجود رؤية متبلورة حول تلك الخيارات، فأنه لم يحصل حتى اللحظة أي تقدم يذكر على هذا الصعيد.

3 - وفيما يتعلق بموقف خط الإمام من الحوار الوطني، فإنه كان موقفا ايجابيا لكنه غير معلن، حيث إن بعض رموزهم أو المحسوبين عليهم شاركوا في بعض حلقات الحوار الوطني كالشيخ محمد العطية والسيد حسن النمر. بينما موقفهم من انتخابات البلدية، خصوصا في الدورة الأولى عام 2005م، شابه نوع من التردد والغموض، إذ لم يقبلوا على الانتخابات إلا في المراحل الأخيرة، وقد رشحوا بعض العناصر ذات الميول الحزبية في بعض الدوائر «تاروت، سيهات»، ودعموها ولكن لم يفز أي احد منهم. في حين قاطعوا الانتخابات في دورتها الثانية 2010م، إذ كان موقفهم متسقا مع معظم القوى والتيارات الشيعية المحلية، الذي كان متجها نحو المقاطعة الكلية لانتخابات البلدية، لعدم جدوائيتها من جهة، بحسب وجهة نظرهم، ولعدم وجود اجواء مشجعة في المنطقة حينها، من جهة ثانية.

في حين إن موقف تيار الإصلاح الوطني من مشروع الحوار الوطني، كان داعما ومشجعا، وقد شارك العديد من رموز وكوادر التيار في العديد من جولات الحوار، كما تم استثمار الاجواء التي خلقها هذا المشروع على الصعيد الاجتماعي، من خلال خلق العديد من الاطر، التي تعنى بالتواصل الاجتماعي والثقافي مع مختلف فعاليات المجتمع السعودي من الجنسين، خصوصا من الجانب السني، كمجلس الشيخ الصفار ومنتدى الثلاثاء الثقافي لجعفر الشايب ومركز آفاق للدراسات والبحوث لمحمد المحفوظ، ولجنة التواصل الوطني بقيادة يحي قريش، مضافا إلى بعض الديوانيات الثقافية المحلية وغيرها من الجهود الفردية لناشطين وكتاب شيعة، تصب في هذا السياق.

كما تمت المشاركة من قبل تيار الإصلاح الوطني بفاعلية أيضا في الانتخابات البلدية في الدورتين السابقتين، رغم حالة العزوف عن المشاركة في الدورة الثانية. وكان باعث تيار الإصلاح الوطني للمشاركة الفاعلة، حيال المبادرات الإصلاحية المتواضعة رغم المؤاخذات الكثيرة عليها، عائد على ما يبدو إلى سببين: الأول، الدفع باتجاه إنجاح المبادرات الإصلاحية الجديدة، بوصفها فرص متاحة يفترض استثمارها وتوظيفها إلى أقصى حد ممكن. إذ إنها ستضاف إلى تجارب المجتمع ورصيد خبراته، والتي من الممكن إن تساهم في تحريك عجلة الإصلاح لاحقا. السبب الثاني هو، ترسيخ ثقافة الحوار ومفاهيم الانتخاب من خلال تلك المبادرات الإصلاحية المتواضعة، وهي ثقافة جديدة على المجتمع السعودي، لم يتعود على ممارستها إلا في نطاقات محدودة جدا.

وبنظرة فاحصة لخطابات بعض رموز تيار حزب الله السعودي، وكذلك الأنشطة الثقافية والاجتماعية، يلحظ غياب شبه تام لأي استهدافات ذات مغزى سياسي أو حقوقي أو ثقافي أو قانوني يجري التركيز عليها. والاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذه الظاهرة هو إن الحزب لازال يفتقر حتى اللحظة إلى رؤية سياسية واضحة المعالم. وتبعا لذلك يمكن النظر إلى خطابات رموز الحزب والأنشطة الممارسة من قبل محازبيه ومريديه بوصفها ردود أفعال لظواهر اجتماعية وسياسية ناشئة تتطلب مواقف آنية ليس أكثر. التركيز في خطابات رموز الحزب أحيانا على ضرورة معالجة التمييز الطائفي، أو المطالبة بحقوق الشيعة، واحترام الحريات العامة، ونقد الاستبداد، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، ليس مؤشرا على تبني الحزب رؤية أو برنامج ما لمعالجة أيا من تلك المشاكل. لكن هناك بعض الإشارات إلى اتجاه متأخر لدى حزب الله/ أنصار خط الإمام نحو زيادة حضوره وتأثيره بالتركيز على الأنشطة الاجتماعية والثقافية للابتعاد عن العمل السياسي.

وفيما يتعلق بموقف خط الإمام من «حراك القطيف» بعد ثورات الربيع العربي، يلحظ من خلال مجموع المواقف السياسية لبعض رموزه عدم التوافق على رؤية مشتركة تعبر عن الموقف العام لخط الإمام. ففي بداية التظاهرات التي جرت في المنطقة الشرقية 2011م، لم تشارك كل رموز الحزب فيها. بعض الشخصيات التي شاركت بفاعلية بداية اندلاع التظاهرات، وهي شخصيات لا تعبر بالضرورة عن الموقف العام للحزب، عادت للانكفاء في مراحل لاحقة، بل طالبت المتظاهرين في بيانات جماعية بالتوقف عن التظاهرات وإعطاء فرصة أخرى للحوار مع الدولة بدلا من خيار الشارع. ومما لاشك فيه أن العديد من المواقف السياسية لبعض رموز خط الإمام، كانت داعمة للحراك في المنطقة، وتشكل حماية له أيضا. لكن لم يلحظ لدى الحزب أنشطة إبداعية أخرى، غير الخطب والتواصل المعتاد مع الحكومة، داعمة للحراك القائم. بخلاف بعض القوى والتوجهات السياسية الشيعية الأخرى، التي كان لها دورا فعالا على الصعيدين السياسي والحقوقي والإعلامي، بمعزل عن قناعتها بخيار الشارع.

[1]  العيد، سلمان، «الحركة الشيعية في السعودية.. من الثورة إلى الإصلاح»، مسار الأخبار، 2010م.
باحث في علم الاجتماع السياسي