آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

انتخابات الرئاسة الإيرانية

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

ما لم تحدث تطورات مفاجئة، فإن الانتخابات الرئاسية في إيران قد تحسم لصالح رجل الدين المعتدل حسن روحاني، والذي نال دعما مباشرا من قبل الرئيسين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، باعتباره مرشح الإصلاحيين في إيران. واستقطب روحاني الكثيرين حيث تحدث علنا عن ضرورة العودة إلى الحوار مع الغرب وإصلاح الإعلام وإطلاق سراح المسجونين السياسيين. وقد اكتسب الكثير من الدعم، بعد أن انسحب الإصلاحي محمد رضا عارف من السباق أخذا بنصيحة الرئيس السابق محمد خاتمي، وإذا لم يحصل أي من المرشحين على أصوات نسبة الخمسين بالمائة من المصوتين ستجرى جولة ثانية من التصويت بعد أسبوع بين أعلى مرشحين من حيث الأصوات.

الهموم الاقتصادية طغت على حملة المرشحين، خصوصا في ظل تشديد العقوبات الاقتصادية، وبخاصة على قطاعي المصارف والطاقة في إيران، حيث انخفضت قيمة الريال الإيراني إلى أكثر من النصف في غضون عام، وقد أدى انهيار الريال الإيراني إلى انخفاض حاد في حجم الواردات، وزيادة في معدل التضخم الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ 18 عاما، حيث يبلغ أكثر من 40%. وقد أدى تراجع صادرات النفط وتقلص قاعدة التصنيع في إيران إلى حدوث ركود اقتصادي.

ووفقا لصندوق النقد الدولي، انخفض إجمالي الناتج المحلي الإيراني بنسبة 1.3 في المئة عام 2013، ما يجعلها الدولة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي تشهد نموا سلبيا للعام الثاني على التوالي، ناهيك عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتفشي الفساد.

إيران تشهد تجاذبات وصراعات محتدمة علنية ومستترة على المستويين العامودي والأفقي، وينخرط في هذا الصراع قوى ومجاميع عديدة على صعيد المجتمع السياسي «الدولة»، وبين مكونات المجتمع المدني بأطيافه السياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة والقطاعات الواسعة من الشعب.

هذه المعركة المفتوحة والممتدة تدور أساسا بين رؤيتين وخطين يعبر عنهما ما اصطلح على تسميتهما التيار المحافظ من جهة، والتيار الإصلاحي من جهة أخرى. علما بأن مصطلح اليمين واليسار في إيران يكتنفهما الكثير من الالتباس، ولا يعبران أو يعكسان ذات الدلالات والمفاهيم السائدة في المجتمعات والبلدان الديمقراطية الأخرى. فالعديد من رموز التيار «الإصلاحي» في إيران كانوا يمثلون أو يعبرون عن مواقف التيار المتشدد «الجذري»، وبينهم من قاد عملية احتلال السفارة الأمريكية «نوفمبر1979م»، ونظروا ودافعوا بقوة عن شعار تصدير مبادئ الثورة الإيرانية للخارج. وعلى الصعيد الداخلي كانت مواقفهم تتسم بالتصلب والتشدد في القضايا العقائدية والأيدلوجية والسياسية والثقافية والاجتماعية.

غير أنهم من خلال التجربة والممارسة العملية والنضج السياسي عادوا ليغيروا ويعدلوا تصوراتهم ومواقفهم السابقة، حيث نبذوا استخدام اللغة الثورية المتشددة والممارسات العنيفة وتبنوا برنامج الإصلاح، واتسمت مواقفهم بقدر كبير من الواقعية والانفتاح والمرونة على صعيد الوضع الداخلي، ونادوا بضرورة إخراج إيران من عزلتها وانفتاحها على المحيط الخارجي. التيار الإصلاحي هو إطار عريض يمثل قوى واتجاهات عدة متباينة ومختلفة، بل وحتى متناقضة من حيث منطلقاتها ومصالحها وأهدافها النهائية..

كما تمثل طيفا واسعا من القوى الدينية والقومية والليبرالية واليسارية والشخصيات الثقافية والفكرية والسياسية المستقلة ومجاميع واسعة من الناس العاديين. يؤطرها ويجمعها هدف مرحلي عام ومشترك يتمثل في البرنامج الإصلاحي للتغيير على قاعدة تجديد وتطوير وتنشيط مكونات المجتمع المدني وبناء دولة القانون والمؤسسات وإعطاء الشعب كافة حقوقه السياسية والاجتماعية والثقافية، وعدم مشروعية الاستمرار في سياسة الإقصاء والإبعاد للآخرين من منطلقات عقائدية وأيدلوجية وسياسية أو ثقافية.

وفي المقابل، فإن التيار المحافظ الذي يحظى عمليا بتأييد ودعم المرشد الأعلى «مع أنه أكد عدم الانحياز علنا إلى أي من الطرفين» لا يزال على وجه العموم أسير الرؤيا والعقلية والممارسة القديمة الانعزالية والجامدة، ويسعى إلى إحكام قبضته على السلطة والمجتمع عن طريق استخدام القوة والاستبداد ومصادرة حقوق الناس وتطلعاتهم المشروعة في الحرية والعدالة والمساواة، كما يعارضون ويتصدون بشدة لأي محاولة لإحداث تعديلات دستورية قد تؤدي إلى تقليص الصلاحيات المطلقة لولي الفقيه أو تحديد ولايته بسقف زمني أو إلغاء وتحجيم بعض مواقع نفوذهم؛ مثل محكمة رجال الدين والمجلس الأعلى للقضاء والمؤسسة الإعلامية الرسمية «تلفزيون وإذاعة».

ينص الدستور على أن المرشد هو القائد الأعلى المشرف على القضاء والإعلام والأجهزة العسكرية والأمنية، وله حق إقالة رئيس الجمهورية وحل مجلس الشورى وفقا لضوابط معينة. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن مبدأ ولاية الفقيه ليس محل إجماع المؤسسة الدينية والحوزات العلمية الشيعية، وقد عارضه عدد من كبار رجال الدين المجتهدين، كما أن بعضهم أجاز الولاية الدينية فقط وأسقط الولاية السياسية. غير أن التيار المحافظ ليس كتلة جامدة صماء، إذ يتواجد بينها قوى معتدلة «كوادر البناء من أنصار هاشمي رفسنجاني» تميل إلى التوافق وإيجاد القواسم المشتركة مع الإصلاحيين، وقد تحقق ذلك بالفعل فيما مضى.

ومع أن التيارين الرئيسيين المتصارعين يعلنان انتماءهما إلى المؤسسة الدينية الحاكمة والتزامهما «نظريا» مبدأ ولاية الفقيه وطاعة مرشد الثورة، غير أن مجرى الصراع بينهما اتخذ منحى خطيرا وحاسما مع اشتداد حدة الاستقطاب للقوى والمواقف والأطروحات المتنافرة فيما بينهما، وهو ما حصل في انتخابات 2009، حيث وقعت احتجاجات ومصادمات عنيفة في شوارع طهران وغيرها من المدن الإيرانية إزاء ما اعتبر تزويرا للانتخابات الرئاسية.

من الصعب التكهن باتجاهات السياسة الخارجية الإيرانية، وخصوصا ما يتعلق منها بالملف النووي والقضايا الإقليمية، وخصوصا العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والموقف من سوريا وحزب الله، غير أنه في الغالب لن تحدث تحولات وتبدلات جوهرية.

طريق الإصلاح الجذري هو الخيار الصحيح المتاح أمام الشعب الإيراني بفئاته ومكوناته المختلفة لمواجهة استحقاقات بناء الدولة العصرية الحديثة بمقوماتها الدستورية والقانونية، وإقامة المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته المستقلة، والعمل على تطوير القاعدة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والثقافية لمصلحة الشعب الإيراني، ومن الواضح تماما أن أي طريق آخر سيكون مصيره الفشل، وسيدفع الشعب الإيراني ثمنه من حريته وأمنه واستقراره وتقدمه.