آخر تحديث: 19 / 4 / 2021م - 11:42 م

التعلم بحب

بدر شبيب الشبيب *

من الألفاظ التي تستخدم بشكل غير دقيق لفظ «طالب» حين يطلق على كل من جلس على مقاعد الدراسة وإن كانت العلاقة بينه وبين المطلوب المفترض - أي العلم - علاقة سيئة جدا. فهو مكره لا بطل، يود لو أن بينه وبين المدرسة والكتاب شقة بعيدة. ولكن ماذا يفعل المسكين، وما من خيار أمامه إلا ركوب الأسنة لنيل الشهادة التي تمكنه فيما بعد من الالتحاق بوظيفة لا تُنال هي الأخرى إلا بشق الأنفس ولا يُلقاها في زمن «الواو» المستفحلة إلا ذو حظ عظيم.

أعترف أنه من الصعوبة وضع ألفاظ مختلفة تناسب الملتحقين بالمدارس حسب علاقتهم بالمقررات الدراسية، أو رغبتهم في الدراسة ذاتها. ولذا ربما وجد المعنيون أن الأفضل إطلاق كلمة «طالب» على الجميع باعتبار ذلك الهدف المنشود والوضع المثالي، وقد يكون من باب التشجيع على التلبس بهذه الصفة ولو بعد حين.

على العموم ما ينشده التربويون جميعا هو أن تكون العلاقة بين الطالب والعلم علاقة حب ووئام، لأن تلك العلاقة وحدها هي الكفيلة بإنتاج طالب علم حقيقي يعطي العلم كله فيعطيه العلم بعضه. إن العلماء الذين كانت لهم إسهامات في تقدم البشرية ورقيها على مر العصور كانوا بالفعل طلابا أحبوا العلم حبا جما استولى على قلوبهم، فبذلوا من أجله عمرهم وصحتهم كي يفوزوا بورود معينه الذي لا ينضب أبدا، ولا يرتوي منه الظمآن أبدا. لقد كانوا مصداقا للمنهوم الأول الذي ذكره النبي ﷺ في قوله: «منهومان لا يشبعان؛ طالب علم وطالب دنيا». والمنهوم بالشيء هو المولع به الذي يفرط في طلبه. والولع كما هو معلوم من درجات الحب.

عندما نقرأ مثلا في سيرة «شريف العلماء» وهو أستاذ الشيخ مرتضى الأنصاري وأنه كان يقضي الليل كله من أوله لآخره لسنوات عديدة مشغولا بالمطالعة والبحث، ينادم العلم ويسهر معه، فإننا سنفهم معنى أن نتعلم بحب، وسندرك المعنى الجميل في حديث النبي ﷺ: لا سهر إلا في ثلاث: متهجد بالقرآن، أو في طلب العلم، أو عروس تهدى إلى زوجها.

وعندما نقرأ عن الإخلاص للعلم الذي بلغ أوجه عند الشيخ محمد جواد البلاغي فكان لا يقبل أن يضع اسمه على كتبه لئلا يُشم من ذلك التبجح وحب الشهرة، فإننا نعلم أن هذا السلوك لا يمكن أن يصدر إلا من عاشق متيم بالعلم، مدرك لغاياته الشريفة.

إن المطلوب من أبنائنا الطلبة أن يعيدوا النظر في علاقتهم بالعلم والمدرسة، وأن يختاروا ما أمكنهم التخصصات التي يستطيعون إقامة علاقة حب مع علومها، لأن الحب يذلل العقبات الصعبة، ويدفع الطالب للمزيد من التحصيل ونيل أرفع الشهادات وأعلى الدرجات وتحقيق الإنجازات تلو الإنجازات.

أعلم أن ذلك ليس أمرا سهلا خصوصا في ظل بيئة غير محفزة، ولكن العلم يستحق الحب والسعي له ولو في أقصى الدنيا. يكفينا في ذلك ما ورد عن النبي ﷺ: اطلبوا العلم ولو بالصين.