آخر تحديث: 22 / 7 / 2019م - 11:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخمس وفقراء القطيف وإعلام العين الواحدة

ناصر حسن الجاروف

كتب الإعلامي عبد العزيز قاسم مؤخراً مقالاً تحت عنوان " أموال الخُمس.. فقراء العوامية والقطيف أحق بها " استدعى فيه نصاً سابقاً للصحافي فارس بن حزام قال فيه "للأسف، فالصراع المستمر يخوضه الصحافيون من طرف واحد، ولا يشاركهم فيه الطرف الآخر، وأعني الإخوة المنتمين إلى المذهب الشيعي، إذ بالكاد الوصول إلى مشاركة إعلامية تنقد التطرف داخل المذهب"، وقال قاسم في مقاله: "السطور أعلاه للزميل فارس بن حزام في مقالة أخيرة له في صحيفة "الرياض" ومعروف أن للزميل نقداً حاداً للمؤسسة الدينية بشكل عام، فلا يحسب مثلاً على أنه من المنحازين للتيارات الدينية، وكون مثله ينتقد رموز إخوتنا الشيعة، وأنهم لم يقوموا بنقد التطرف في داخل مذهبهم، يعطينا إشارة واضحة إلى مدى الإشكالية لدينا مع الحالة الطائفية في بلادنا".

وتضمن مقال عبد العزيز قاسم الكثير من الإثارات التي اعتبرها مهمة وتحتاج إلى إجابة وموقف. ونحن هنا سنحاول أن نجيب على بعض هذه الإثارات وسنترك الموقف عند القارئ والمتابع الفطن.

في إجابة على ما ورد في البدء، نحن بدورنا نتساءل أيضا: هل تتوقع حواراً جاداً ومفيداً يقوم بوضع ضوابطه الإعلام السعودي؟ لا يختلف اثنان على أن الساحة الإعلامية السعودية تعاني من الضوابط غير المنصفة بغض النظر عن الإشكال الطائفي، فهذا الهم يشترك فيه الجميع، ولا يخفى على أحد، وبإمكان أي منصف أن يسرد لك الشواهد وليس آخرها «ملعوب علينا»! فالإعلام السعودي هو إعلام الرأي الأوحد، وهو يعبر عن الرأي الرسمي فقط، ولن يستطيع أحد أن يتجاوز هذه الضوابط والأطر، فهي كحد السيف قائمة عليه، ومن يتجاوزها مصيره لن يقل عن المساءلة وربما الاعتقال، وهذا ما كان عليه مصير الذين شاركوا في فيلم "ملعوب علينا".

ورغم أن بعض الشخصيات الشيعية شاركت في حوارات إعلامية هنا وهناك، إلا أنها اكتشفت فوراً أنها في حلقة تحقيق وليس حواراً. رغم ذلك فإننا نتعجب من هذا الطرح غير المنطقي منكم في اتهام الشيعة بأنهم لا يقبلون المشاركة في الوقت الذي يضيق الخناق على الضيف ليقول ما يريده مقدم البرنامج ومن يقفون خلفه.

هل تريد أن تقنعنا بكلامك هذا أن الإعلام السعودي يقف مسافة واحدة مع الجميع؟ هل يمكنك أن تجيبني كم يبلغ عدد رؤساء تحرير الصحف من الشيعة؟ أرجوك لا تقل لي أن ليس في الشيعة من يمتلك الكفاءة في هذا الحقل؟

إن التضييق الخانق على الشيعة في مجال الإعلام دفع بكثير من شخصياتهم إلى منابر إعلامية أخرى في الخارج من أجل تبيان الحقائق التي تخشون الاقتراب منها في إعلامكم، الذي يتعامل مع كل فكرة على أساس أمني، حتى غدت حرية التعبير شبه معدومة في المجمل.

ولقد دهشت من الاستشهاد بمقولة لفارس بن حزام حول مشاركة الشيعة في الحوارات الإعلامية، فبغض النظر عن حجم ووزن الرجل وما إذا كان يؤهله ذلك ليكون مرجعاً في تقييم طائفة أو شريحة من المفكرين والمثقفين الذين يمثلون الشيعة، بغض النظر عن ذلك فإن هذا الأسلوب لا يرقي لمعالجة هكذا قضاياً مهمة، فلا يمكن الحكم على قدرة أو صواب شريحة واسعة من المجتمع بناء على تصريحات صحفية.

وليس صحيحاً أن الشيعة يفتقدون إلى مراجعات نقدية، فقد كان بإمكانك الإشارة إلى الدكتور السيف كنموذج من نماذج الدعوة إلى مراجعة الفكر والتراث الشيعي، وبشكل يلامس المسلمات والمقدسات عند بعض الشيعة، وهي دعوة كررها مرارا على رؤوس الأشهاد، إلا أن النظرة الضيقة للدكتور عبد العزيز قاسم التي لا تفوح إلا بالطائفية أعمت بصيرته عن رصد النماذج المضيئة والجوانب الإيجابية. ماذا عن سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله؟ أرجو العودة إلى المكاشفات التي قدمتها سابقاً للوقوف على حجم الانفتاح والتصويب الذي يؤمن به الشيعة.

إن من السخافة اتهام طائفة كبيرة تعيش في أهم منطقة في السعودية بالولاء للخارج وتخوينها، وهذا ما عبر عنه بوضوح الدكتور توفيق السيف بأن اتهام الشيعة بالولاء للخارج كلام سخيف ورخيص، ولكن تعال معي نتساءل: ما الذي يدفع بالمرء لتقديم ولاءه للخارج؟ هل عجزت الدولة طيلة قرن عن كسب ولاء هؤلاء الشباب؟

هل يعود السبب إلى النظرة المثالية للدولة الخارجية باعتبارها تمثل نظاماً حضارياً متقدماً مقارنة بواقعهم المرير؟ حينما نعجب بالنظام الأمريكي ونظامه المتطور الذي تسوده الحريات بمختلف أشكالها، مثل حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، وحرية التعبد، وحرية التعبير، وحينما تسود هناك قيم المساواة فلن نتعجب حين يهاجر عدد من الشباب إلى هناك، وحين نكتشف أن عدداً من المبتعثين قرر أن لا يعود، ناهيك عن مجرد الإعجاب. أما الولاء فهذا مصطلح لا يمكن إطلاقه جزافاً على الآخرين، دون أن نتفق على تطبيقاته الخارجية.

وما أروع ما كتبه الدكتور عبد الرحمن الوابلي تحت عنوان "لحساب من، توزع ولاءات مواطنينا للخارج". بتاريخ 6/10/2011.

حيث يقول: " جميع دول العالم تحرص على حشد ولاءات مواطنيها لها، وتحرص على دعمه وتثبيته ورعايته وتقويته، لا بل وتبذل المليارات من العملات الصعبة منها والرخوة، لجلب ولاءات لها من خارج حدودها. إلا بعض منا وللأسف الشديد، الذين أصبح همهم الوحيد، وبكل كرم وسخاء غبي منقطع النظير، هو التوزيع المجاني لولاءات فئات من مواطنينا لخارج حدودنا، وكأنهم يتعاملون مع وطننا على أنه كعكة يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم وربعهم المقربون. إن عقلية " الغنيمة " الجاهلية ما زالت تعشش في عقولهم وتتحكم بنفسياتهم الغابرة؛ فاعتبار الوطن غنيمة، وهم وحدهم الغانمون له، وعليه وجوب استيلائهم على خيراته، وليس سواهم؛ فهذا امتداد لمشروعية السلب والنهب".

ويواصل الدكتور حديثه بالقول: " ضمَّني قبل أسبوعين مجلس في بيت أحد المعارف، وجاء ضمن أحاديثنا الحديث عن صرح من صروحنا الوطنية الطبية العملاقة، والجميع أشاد بهذا الصرح الوطني، والإنساني الشامخ. فانبرى شاب في المجلس، أتضح بأنه يعمل في هذا الصرح الطبي، وقال: ولكن للأسف الشديد بأن سبعين في المائة من الممرضات والممرضين السعوديين في هذا الصرح، هم من الشيعة. أي لم يقل بأنه للأسف الشديد، مثلاً بأن سبعين أو حتى خمسين أو ثلاثين بالمائة من العاملين في هذا الصرح، هم من الأجانب، غير السعوديين. فصدمت صدمة قوية من تعليق هذا الشاب.

فسألته: وما مؤاخذتك على الشيعة الذين يعملون معك في هذا الصرح الطبي الوطني، أليسوا هم من مواطني المملكة، ويعملون في صرح وطني؟ فأجابني بكل ثقة غبية: بلى؛ ولكن ولاء الشيعة، ليس للوطن. فسألته: إذا لم يكن ولاءهم للوطن، فلمن يكون إذاً؟ فأجابني بكل تأكيد أحمق: بأن ولاءهم لإيران. فسألته وكيف توصلت إلى هذه الحقيقة، هل شققت عن قلوبهم، وتأكدت بأن ولائهم هو لإيران وليس لوطنهم؟ فأجاب كالعارف والمتمكن من ظواهر الأمور وبواطنها: بأنهم يؤمنون بولاية الفقيه؛ أي بأن ولائهم لخامنئي، أي لإيران!!.

بأن ولاء مواطنينا الشيعة لإيران، بسبب ولاية الفقيه. وهذه لعمري لكذبة وافتراء، ليس فقط على مواطنينا الشيعة وإنما كذلك على الوطن ومواطنينا بشكل عام. وذلك لكون ولاية الفقيه لا تخص شيعة الخليج؛ وإنما هم لهم مرجعيتهم الدينية التي يرجعون لها عندما تشكل عليهم مسألة دينية تتعلق بمذهبهم الجعفري، وهي موجودة في النجف الأشرف في العراق. كما أن مبدأ ولاية الفقيه، هو جزء دستوري، يخص الإيرانيون فقط، حيث هو مبدأ إدارة دينية وسياسية للبلد، لا دخل لشيعة البلدان الأخرى فيه".

فنظرة عن قرب تكشف حجم المعاناة من التمييز الطائفي التي تمارس ضد الشيعة وهذا ما دفع مجموعة من الشباب للتظاهر والتعبير عن مطالبهم من خلال الشارع، فالتمييز الطائفي هو السر. ففي المناهج الدراسية هناك إهانات وتكفير واتهامات بعبادة القبور وغير ذلك، وفي سوق العمل هناك تمييز وانعدام الفرص المتكافئة في الوصول إلى الوظائف في القطاع الحكومي، ناهيك عن التمييز في الترقيات للموظفين الشيعة، إذ يبقى المنتمي إلى هذا المذهب يراوح مكانه، فيما يتقدم من هم أقل منه كفاءة وأدنى منه تعليماً.

لقد أثبت الشيعة مراراً وتكراراً انتماءهم لهذا الوطن، ورغم أننا لسنا بحاجة إلى الدفاع عن التهمة لأن من يدعي انتماء وولاء الشيعة للخارج هو المطالب بتقديم الدليل، ولكن لا بأس بالتذكير بموقف الشيعة خلال حرب الخليج الثانية حين غزا صدام حسين فيها الكويت ودخل الخفجي، وفي ذلك الوقت أبدت التيارات الشيعية المحسوبة على المعارضة موقفها بالالتحام مع الحكومة ضد أي تهديد خارجي للوطن.

إن اختلافنا مع الحكومة لا يعني الانتماء للخارج، فهذا معيار سخيف وباطل. إذا كان هذا معيار صحيح فكيف نقيم المنافسات الانتخابية والنشاطات التي تمارسها الجمعيات والأحزاب المعارضة في كل الدول المتقدمة؟ هل سنشكك في انتمائها لأنها تعارض الحكومة؟ لعمري أن من يدعي هذا لا يفقه شيئاً في السياسة. ليس هذا فحسب بل حتى الأعمال العنيفة التي شهدتها وتشهدها تلك الدول لا يتم فيها تخوين الشعب والتشكيك في انتمائه لوطنه.. أليس كذلك؟

وحينما يقسم الدكتور عبد العزيز قاسم يميناً بأن المناطق الشيعة تعيش وضعاً أفضل من المناطق الشمالية والجنوبية، فإنه إنما يبين ضعف حجته، فهو ليس بحاجة إلى القسم إذا كانت الحقائق بينة وواضحة. وأود هنا أن أتوجه له بسؤال بسيط وواضح: هل تجولت في أحياء وأزقة المنطقة الشرقية لكي تستطيع إطلاق أحكام ووضع المقارنات بينها وبين المناطق الأخرى؟

نحن نعلم تماماً أن معظم مناطق المملكة بها أحياء قد يخجل عبد العزيز قاسم عن ذكرها، فهي تعكس حالة التهميش والإهمال والفقر المدقع، ولكني سأتحدث عما أشاهده يومياً هنا في المنطقة الشرقية، وأنا على يقين بأن المناطق الأخرى لديها من الرجالات من يستطيعون أن يعبرون عن حالهم.

ففي الشرقية مئات العوائل الفقيرة والبيوتات المعدمة، بإمكانك أن تشاهد بوضوح بيوت من الصفيح وأخرى آيلة للسقوط، في الوقت الذي تتدفق على بعد أمتار منها ملايين البراميل من النفط.

الشعب يعاني من الفقر فيما تقوم الحكومة بصرف المليارات كمساعدات للخارج، فقد ساهمت في برامج إغاثية "خلال الفترة من 1975م إلى 2004م بأكثر من 4986 مليون دولار أمريكي ولا يدخل في ذلك ما أعلنته المملكة عن التزامها بمساندة جهود أعمار العراق بمبلغ مليار دولار أمريكي ولا ما قدمته والتزمت بتقديمه لمساعدة الدول المتضررة في كارثة الزلزال والمد البحري في آسيا المعروفة بـ «بتسونامي» والتي بلغت 430 مليون دولار أمريكي والمساعدات السعودية الشعبية التي بلغت 90 مليون دولار أمريكي كما لا يدخل ذلك في ما قدمته المملكة العربية السعودية للبنان الشقيق من مساعدات بلغت 2500 مليون دولار أمريكي" «1»

"كما قدمت المملكة دعماً بمبلغ مليار دولار لإنشاء صندوق مكافحة الفقر في الدول الإسلامية الذي أقرته القمة الإسلامية تحت مظلة البنك الإسلامي للتنمية" «2»، و"تقدم المملكة سنوياً مبلغ 50 ألف دولار سنوياً لصندوق الطوارئ التابع لمكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية" «3» و" تساهم المملكة في دعم المبادرات الدولية مثل: مبادرة «الهيبك» لتخفيف أعباء الديون على الدول الفقيرة، علماً أن المملكة بادرت قبل مبادرة المجتمع الدولي إلى إسقاط أكثر من 6 مليارات دولار من الديون المستحقة على تلك الدول" «4» إضافة إلى الكثير من المليارات التي صرفتها على برامج مختلفة مثل برنامج الغذاء العالمي، وبرنامج مكافحة الجفاف والتصحر في الدول الإفريقية.

هذا في مجال الإغاثات، أما في مجال الدعم التنموي غير الإغاثي فنجد أن المملكة تبنت مشاريع كثيرة في دول قريبة وبعيدة، وعلى سبيل المثال: قدمت المملكة هبــة بــ 200 مليون دولار للمغرب لمساعدتها في إنشاء خط قطار!، وقدمت أيضاً «هدية» لمملكة البحرين بقيمة مليار ريال سعودية لبناء مدينة طبية تتبع لجامعة الخليج العربي بالبحرين.

كما تبرعت للأردن بـ 9 مليار لبناء مدينة الملك عبد الله بالأردن كأكبر مدينة سكنية بالأردن تضم 70 ألف وحدة سكنية.

ولنا أن نتساءل: لماذا تخرج هذه المليارات للخارج في الوقت الذي تعرف فيه الحكومة بوجود ملايين الفقراء في المملكة؟ أوليست بلادنا أولى بالمساعدات والتبرعات والأعمار لمحاربة الضعف والحرمان.

نعم هذه المناطق فقيرة أو بالأحرى مورست معها سياسة الإفقار المتعمد وقد قيل عن الفقر أشياء كثيرة "كاد الفقر أن يكون كفراً" ولو كان الفقر رجلاً لقتلته " وهناك مقولة لـ "كونفوشيوس" يقول: "في البلاد التي تدار بحكمة، يكون الفقر فيها عيباً، وفي البلاد التي تدار بدون رشاد يكون الثراء فيها عيباً" ويروي عن سقراط أنه قال "الفقر هو أبو الثورات والجرائم". فحرمان الأشخاص من الخيارات يحول بينهم وبين حقوقهم الأساسية في التمتع بالخيارات المتعددة في الحياة الكريمة، والقدرة على الخيار الصحيح ومع الفقر يفرض واقع ضعيف ومرير والفرص تكون ضعيفة جداً... ومجتمعنا ذاق وضاق من الحرمان من أبسط الحقوق، ويضاعف من حجم الألم حينما نرى الغير يتمتع بما هو حق لنا فيه.

إضافة إلى هذا فإن حرمان الإنسان من حرية الاختيار هو فقر بوجه آخر، فقر للحرية والاختيار، فنحن ننظر إلى الفقر بمنظور أشمل حينما يحرم الإنسان من حقوقه السياسية والعقائدية والاجتماعية والاقتصادية، والحرمان والفقر لا يقتصر على الجانب المعيشي، ويبدو أن هذه النظرة لم تتوصل لها يا سعادة الدكتور!.

إن الفقر - الذي تدعي أنه لا يوجد في الشرقية إنما في مناطق أخرى من المملكة - هو نتاج سياسات خاطئة، ورؤية معوجة، وتخبط على مستوى التعليم والإدارة، فقد ذكرت إحدى الدراسات المقارنة بين أوضاع العرب الأمريكيين والشعب الأمريكي فوجد أن معدل دخل الأسرة العربية الأمريكية يفوق معدل دخل الأسرة الأمريكية بحوالي 10% وأن 40% من العاملين العرب هم من المديرين وأن معدل التحصيل الجامعي يصل إلى أكثر من 40% من البالغين مقابل 34% في الولايات المتحدة الأمريكية.. فالفقر إذاً هو حصيلة للوضع الاقتصادي الفاسد والاجتماعي والسياسي والإداري والطائفي السائد في بلادنا...

وجاء في كلمة للإمام علي : "إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني «أو بما منع منه غني» والله تعالى سائلهم عن ذلك"، والمواطن يجهر بمطالبه لأنه مواطن له حقوق كما عليه واجبات، وإن رفع حالة الفقر هي من مسؤوليات الدولة وواجب عليها.

إن الفقر والحرمان ليس الأول والدافع الوحيد في حركة الاحتجاج، فهناك التمييز الطائفي والحرمان والأعمال الاستفزازية، فحينما يقبع في السجون مجموعة من الشباب لمدة 16 سنة دون محاكمة، وحين تقوم الجهات الأمنية باحتجاز رجلاً في سن السبعين، وآخر في الستين للضغط على أبنيهما ليسلما أنفسهما، فإن رد الفعل الطبيعي للإنسان الحر هو ما وجدناه في الساحة.

ونحن هنا نتساءل: لماذا لم تستنكر عملية احتجاز الشيبة كبار السن في السجن للضغط على أبنائهم المطلوبين للسلطات.. هل هذا تصرف قانوني؟

لقد أشرت في مقالك إلى أن خادم الحرمين الشريفين على علم بالفقر وأنه سبق وأن تكلم وشاهد بعض الخرائب التي تسمى بيوتاً، ونحن نثمن هذا الوقوف على حال الناس والتحدث عنها في وسائل الإعلام من قبل قيادة المملكة، ولكننا نتساءل أيضاً: أين الحكومة عن حال هؤلاء الناس؟ وما هي خططها للقضاء على الفقر؟ ولماذا تعاني الفقر شريحة من المواطنين في المملكة رغم الثروات الكبيرة في هذا الوطن؟ لماذا أكثر من 70% لا يمتلكون بيوتاً؟

تابعت حلقتك عن أزمة السكن التي قال فيها أحد المشاركين أن 97% من شاطئ البحر الأحمر مملوك، وأن هناك أشخاص يملكون أكثر من مائة مليون متر مربع من الأراضي.. وشاهدت علامات التعجب والانذهال على وجهك، وسألت - أنت - مستغرباً: "تقصد مائة ألف! " فأجابك: بل مائة مليون متر مربع!.. هل يجوز هذا في وقت لا يجد الكثير مائة متر مربع ليقيم عليها ما يستره هو وعياله؟

أقترح عليك بأن تقدم حلقة عن أسباب هذا الفقر، ومن هو المسئول عنه؟ ولماذا يكثر الفقراء في السعودية؟ ولماذا بعضهم يمتلك ملايين الأمتار من الأراضي على البحار؟ ولماذا بعضهم يسور أراضي على طول الصحراء الشاسعة والطرق الطويلة؟ ولماذا تعطى منح أراضي لمن يمتلك ملايين الأمتار؟ ولماذا الدولة تستأجر مطارات وأراضي؟ ولماذا مدارسنا لازالت نسبة كبيرة منها مستأجرة؟ وما هي الحلول لهذه الكارثة؟

أما في ما يتعلق بأموال الخمس حيث جاء عنوان المقال مركزاً على الخمس وكأن الدكتور عبد العزيز أكتشف مشاكل الطائفة الشيعية، وأنها لا تعدو في أنها نتيجة لخروج الحقوق الشرعية المتعلقة بأموال أفراد من هذه الطائفة إلى مراجعهم في إيران والعراق! وبهذا التشخيص الغريب سيضع الكاتب الحل الناجع لمشكلة الفقر والفاقة عند الطائفة الشيعية! ووفقاً للدكتور فإنه اكتشف أن هناك مليارات من الأموال تذهب للخارج!

أقول: لله الحمد والمنة أن الأخماس هي التي تقف خلف الصرف على فقراء المنطقة وعلى بناء المساجد الشيعية التي تبنى من أموالهم وليست على نفقة الحكومة كما هو الحال بالنسبة لمساجد إخواننا أهل السنة، وكذلك يصرف منها على العلماء المتفرغين لإبلاغ الدين وتعليم الناس، إذ لا مصدر لهم سوى الحقوق الشرعية، وليس كما تصرف الدولة على علماء أهل السنة، وكذلك يستفاد من هذه الأخماس في صيانة بيوتات الفقراء الآيلة للسقوط وكذلك في رعاية الأيتام، ومساعدة المستحقين.

ربما تكون قد اطلعت على التقرير السنوي الذي يقدمه مكتب سماحة الشيخ حسن الصفار، وهو تقرير مفصل يتناول بكل شفافية الإيرادات والمصروفات، وحين نأتي بهذا التقرير على سبيل المثال فليس هذا لأن مكتب الشيخ حسن الصفار هي الجهة الأكبر نصيباً من أموال الخمس، ولكنها الجهة الوحيدة - تقريباً - التي تتميز بتنظيم إداري، وإلا فبقية العلماء الآخرين لديهم مصارف مشابهة ولكنهم لا تتوفر لديهم السمة الإدارية الحديثة التي تتيح لهم إصدار تقارير سنوية كما هي عند مكتب الشيخ الصفار.

وأما بخصوص المساواة فهو مطلب أساسي من مطالب الشيعة، فنحن نتطلع إلى المساواة مع أهل السنة في هذه البلاد، على أن تكون في كل الجوانب: بدءاً من حق التعبد، مروراً باحترام المقدسات والرموز، وليس انتهاءً بحق التعبير، فنحن في هذا الوطن سواسية ليس لأحد فضل ولا تمايز.

هل تعتقد أن من المساواة التي تحدثت عنها هو أن يقوم خطيب رسمي في خطبة صلاة الجمعة بمهاجمة الطائفة الشيعية بكل وقاحة وسفاهة، ويمر هذا الخطاب دون إدانة منك أو من أمثالك ممن يدعون المساواة والحرية والمسؤولية والتعايش؟ هل هذا الموقف من خطيب الجمعة ومن الساكتين عليه سوى الطائفية بعينها؟ أرجوك لا تقل لي أنك أصدرت بياناً استنكرت فيه هذا الهجوم الطائفي على شريحة كبيرة من المواطنين واستخدام لغة التعميم والتخوين لها.

أما تخيلاتك وافتراضاتك بأن لو حدثت حرب على إيران فما سيكون موقف الشيعة، وكأن الشيعة تعلق مصيرها على مراجعهم. عندما قام العراق بشن هجومه الغاشم المدعوم من أمريكاً وأذيالها على إيران سطر الشيعة في الخليج موقفاً واضحاً بالنأي عن أنفسهم عن دعم إيران، وعلى العكس تدخلت دول الخليج على المستوى الرسمي والشعبي «من أهل السنة» بالمشاركة إلى جانب حزب البعث العراقي الصدامي ضد إيران.

إن الطائفة الشيعية تتطلع إلى فسح المجال لها للوصول إلى مرجعية دينية محلية غير أن الحكومة تضع العراقيل وتمنع من إعطاء تصاريح لبناء حوزاتنا الدينية، وهي الحوزات التي من خلالها تتخرج العلماء وتبرز المرجعيات العلمية والدينية. وإذا كنت تعيب على الشيعة اتخاذ مرجعيات دينية من خارج الحدود فينبغي عليك أن تعيب على الكثير الكثير من أهل السنة أنهم يدينون لمراجع دين من خارج حدودهم وأنت تعرفهم أكثر مما نعرفهم. كما يجب عليك أن تدافع عن حق الشيعة في الحصول على تصاريح لممارسة التعليم الديني.

واختم حديثي ببقية مقال الدكتور الوابلي برده على من يتهمنا بالتقليد الخارجي: " وإذا اعتبرنا بأن وجود مرجعيات مواطنينا الشيعة الدينية، خارج الحدود؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه علينا، وهل سمحنا لهم بوجود مرجعية لهم من داخل الحدود؟ إذا كنا لم نسمح لهم حتى بتدريس أبنائهم وبناتهم أساسيات مذهبهم الفقهي في مدارسهم العامة؟ وهل سمحنا لهم بإنشاء كلية واحدة دينية لهم، تدرس مذهبهم، لتخرج لهم مرجعيات وطنية تهتم بإدارة شئونهم الدينية داخل حدودنا؟ وهل طلبنا منهم تكوين لجنة إفتاء شرعية رسمية وطنية لهم، تكون حاضرة يرجعون لها متى ما أستشكل عليهم أمر ديني في شئون مذهبهم؟ أي لا نريد بأن نفتيهم من داخل الحدود، ولا نريد بأن يفتيهم أحد من خارجها؛ هذه لعمري لمعادلة صعبة، عصية على الفهم، ناهيك عن أن يتقبلها وطني غيور، لفئة عزيزة من وطننا.

ومبدأ " من كانت مرجعيته الدينية من خارج حدود وطنه" فهو مشكك في وطنيته؛ لهو مبدأ جدا خطير وكارثي سوف يقع كالطامة على جميع المسلمين الذين يعيشون في دول غير أسلامية. حيث سيشكك في ولائهم لأوطانهم وعليه حرمانهم حتى من مهنة التمريض في بلدانهم، ناهيك عن تولي المناصب الحساسة التي يستحقونها؛ ثم سنبدأ بالنياح والعويل، بأن هنالك عنصرية ضد المسلمين يجب الوقوف معهم وتخليصهم منهها. كما هي كارثة ستقع كذلك على بلداننا العربية والإسلامية، عندما يشكك في وطنية، غير المسلمين من مواطنيها؛ بحجة كون مرجعياتهم الدينية تأتي من خارج بلدانهم؛ وقد تؤدي بهذه البلدان لتدخلات خارجية وحروب أهلية طائفية".