آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

مغـزى ما يحدث في تـركيا

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

فاجأت تركيا العالم باندلاع المظاهرات والاعتصامات في ساحات وميادين استنبول والعاصمة أنقرة وبعض المدن التركية، التي شارك فيها الآلاف وتخللتها مصادمات بين المحتجين الأتراك وشرطة مكافحة الشغب، والتي نجم عنها حتى الآن مصرع أربعة أشخاص واعتقال المئات وجرح خمسة آلاف من بينهم بضعة مئات من الشرطة. تصدرت احتجاجات ساحة تقسيم وحديقة غازي القريبة منها اللتين تم اقتحامهما بالقوة من قبل الأمن التركي بعد مضي ثلاثة أسابيع العناوين الرئيسية لأجهزة الإعلام المختلفة وشبكات التواصل الاجتماعي في داخل تركيا وخارجها.

كما وصل صداها إلى الجوار الإقليمي، كما انتقدت بلدان مؤثرة في الشأن التركي مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي تطمح تركيا لنيل عضويته الاستخدام المفرط للقوة من قبل الأمن ضد المتظاهرين. زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة التركية أردوغان والعديد من أقطاب الحكم في تركيا ردوا بقوة على تلك الانتقادات معتبرين ما جرى محاولة من المعارضة التركية لاستغلال قضية بيئية محدودة من أجل توظيفها سياسيا لزعزعة الحزب الحاكم، وبأن ذلك التصعيد تقف وراءه بعض القوى المتطرفة، والرعاع والسراق والمخربون..

وبأن تركيا حققت في عهد أردوغان الكثير من المنجزات «وهي حقيقية» التنموية والاقتصادية والاجتماعية حتى في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية.. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستحق إزالة 600 شجرة من حديقة غازي لغرض إعادة بناء ثكنة عثمانية قديمة، أو تشييد برج تجاري وسكني حديث كل هذه الاحتجاجات الواسعة التي تمثل أخطر وأكبر تحدٍ يواجهه حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى الحكم قبل أكثر من عشر سنوات؟..

من الواضح بأن المعارضة «القومية واليسارية» العلمانية وأنصار البيئة بل وكثير من المواطنين العاديين لهم رؤية أخرى مغايرة للرواية الرسمية، إذ يعتبرون بأن الحديقة تعد متنفسا لسكان استنبول وهي أحد المعالم الحضارية للمدينة التي تتوزع مابين أوروبا وآسيا، وأن هدم الحديقة يندرج في إطار إرضاء جشع كبار رجال الأعمال، وقبل كل شيء يأتي في سياق محاولات الحزب الحاكم للاجتثاث التدريجي لمقومات قيم العلمانية التي أرسى دعائمها مصطفى كمال أتاتورك، وبأن الحزب الحاكم الذي التزم بالحفاظ على الدستور المدني / العلماني والذي على أرضيته حقق فوزه في الانتخابات، وبأن الخطاب الرسمي التركي يحمل طابعا مزدوجا، فهو يخاطب الغرب بتأكيده على قيم العلمانية والديمقراطية.

في حين يتضمن خطابه الموجه للعالمين العربي والإسلامي التركيز على تعميم فهمه وتطبيقه للنموذج الإسلامي المنشود. الغرب من جهته يسعى إلى تعميم النموذج التركي «الإسلام المدني المعتدل» في العالمين العربي والإسلامي، وليس لديه مشكلة في قيادة تركيا «ايديولوجيا وسياسيا» لهذا التحول، وذلك لأسباب مهمة عدة من بينها، كون تركيا كانت ولاتزال وثيقة الصلة بالولايات المتحدة الأمريكية وبالغرب عموما على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، سواء في مرحلة الحرب الباردة أو ما بعدها، وفي العهود الديكتاتورية العسكرية أو الديمقراطية على حد سواء.

بما في ذلك الحكومة الحالية التي تمثل اليمين المحافظ، حيث تتبنى بقوة آليات السوق الحرة والخصخصة، وحرية التجارة، كما تمتعت تركيا من قبل بعضوية السوق الأوروبية المشتركة، وتحتل مكانة متقدمة في حلف شمال الأطلسي، وتنتشر فيها العديد من القواعد والمنشآت الأمريكية والغربية بمافي ذلك منصات صواريخ باتريوت..

ولا ننسى العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية «بغض النظر عن أزمة قافلة غزة» المميزة التي تربط تركيا مع إسرائيل، كما تعمل الحكومة التركية جاهدة من أجل نيل عضوية الاتحاد الأوروبي. لقد عملت الولايات المتحدة وحليفاتها في أوروبا والمنطقة كل ما في وسعها من أجل إفراغ الحراك الثوري في بلدان «الربيع العربي» من مضمونه الاجتماعي والسياسي المستند إلى الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية وفك التبعية للخارج، وذلك من خلال إعادة تأهيل تلك الأنظمة المتهالكة عبر بوابة الإسلام السياسي.

حيث النموذج الإسلامي التركي كان حاضرا، رغم الاختلاف الموضوعي بين الحالة الإسلامية التركية «المتقدمة» على شوائبها وقصورها، مقارنة بالحالة العربية «المتخلفة» سواء على صعيد أنساق السلطة والمجتمع والثقافة، أو طبيعة المكونين الإسلاميين رغم جذرهما المشترك..

ختاما نقول: أردوغان يستطيع إبراز الكثير من المنجزات المهمة التي حققها في حين رجعت البلدان العربية تحت حكم الإسلام السياسي عقودا إلى الوراء.