آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الحياة البيئية المهددة في غرب الخليج

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

تلقيت، مؤخرا، هدية قيمة من شركة أرامكو السعودية، وهي كتاب تحت عنوان «الأطلس البحري لغرب الخليج العربي». الكتاب الذي جاء في مجلد من القطع الكبير، احتوى على حوالي 400 صفحة. جاء في الخطاب المرفق من قبل مدير عام الشؤون العامة في الشركة الأستاذ عصام زين العابدين توفيق، يعد هذا الأطلس الذي نضعه بين أيديكم الأول من نوعه في المملكة، فهو يضم بين دفتيه ثروة معلوماتية تلقي الضوء على كل ما يتعلق بشؤون البيئة والحياة الساحلية المحيطة بالخليج العربي، كما يرصد الدراسات العلمية المتخصصة التي أجرتها أرامكو السعودية في منطقة الخليج على مدى أربعة عقود، كما يبرز الكتاب التنوع الزاخر الذي عرفت به منطقة الخليج العربي.

ويسهم في التعريف بآليات حمايته وأساليب المحافظة عليه. وقد أشار الأستاذ خالد بن عبد العزيز الفالح رئيس أرامكو السعودية، كبير إدارييها التنفيذين في مقدمة الكتاب، إلى ما يحتويه الأطلس من معلومات ثرية وما يوفره من وسيلة فاعلة لتعزيز التثقيف البيئي ورفع درجة الوعي البيئي في الشركة وفي غيرها من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ولدى الناس عامة. سلط الأطلس الضوء على مياه غرب الخليج العربي التي تطل على سواحلها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي عدها من بين أكثر الأنظمة البيئية تنوعا وثراء في المنطقة.

وقد لعبت هذه البيئة البحرية النشطة والغنية دورا جوهريا في حياة ورفاه شعوب المنطقة لآلاف السنين، حيث أسهم الصيد والغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية في منطقة الخليج العربي بشكل كبير في بناء ثقافتنا وربطها بالحضارات المختلفة في العديد من أرجاء العالم، وهو ما تمثل في المواقع والأدوات واللقى الأثرية المكتشفة لحضارات قديمة.

كالحضارة العبيدية التي تعود إلى 6000 سنة قبل الميلاد، وحضارة دلمون التي تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد وغيرهما. كما تعد مياه الخليج في الوقت الحاضر أحد الشرايين الحيوية الرئيسية التي تمد العالم بالطاقة «البترول والغاز»، حيث تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بصفة رئيسية على النفط، كما تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، والذي يقدر بنحو 486 مليار برميل، وهو ما يعادل 35.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط الخام وما نسبته 70% من إجمالي احتياطي دول الأوبك. تطرق الأطلس إلى المخاطر المحدقة ببيئة الخليج، الذي يعتبر شبه بحيرة مغلقة تتصل بمضيق هرمز الذي لا يتجاوز اتساعه 20 ميلا، علما بأن عدد ناقلات الزيت والغاز التي تزور موانئ السعودية ودولة الكويت فقط سنويا بنحو 3500 ناقلة.

إلى جانب النمو السكاني والعمراني والصناعي، وخصوصا التنمية الساحلية، حيث تتركز فيها الصناعات البتروكيميائية والأسمدة الكيميائية «تسعى دول الشمال إلى ترحيلها إلى الجنوب» ومصانع تحلية المياه، والتي تساهم بالضرورة في زيادة تلوث الجو والمياه وزيادة ملوحته، والأمر ذاته يشمل أعمال الردم والتجريف العشوائي للأهوار «المستنقعات الملحية» والسبخات «المسطحات الملحية» واقتلاع أشجار ونباتات القرم «الشورى» وتدمير مواطن الأعشاب البحرية والشعب المرجانية التي تشكل مأوى للعديد من الأسماك والربيان والطيور المهاجرة، وذلك بغرض إقامة مخططات سكنية أو مشاريع صناعية ملوثة للبيئة، ودون أي اعتبار لوجود مئات الألوف من الكيلومترات في الصحراء الخالية المجاورة للمدن الساحلية. علينا التوقف أمام ظاهرة بيئية خطيرة تتمثل في جفاف مئات العيون الجوفية الطبيعية التي كانت تزود واحتي القطيف والأحساء بالمياه العذبة على مدى آلاف السنين.

حيث جرى استنزاف مياهها في البداية لغرض حقن آبار النفط، ثم تعرضت للإهمال وغياب الصيانة الدائمة، بل والردم المتعمد من أجل تسويغ تحويل المناطق الزراعية إلى مخططات سكنية. حتى الآن لا توجد دراسات بيئية جادة منشورة حول التأثيرات البيئية على صعيد مياه وتربة وسماء الخليج نتيجة لحروب الخليج الثلاث، والتي من بينها تدمير وغرق ناقلات النفط، وحرق آبار نفط الكويت وتسريبه في مياه الخليج، وكذلك استخدام الجيش الأمريكي لسلاح اليورانيوم المنضب في حرب تحرير الكويت عام1991، وهو ما اعترفت به الحكومة الأمريكية.

تلك التعديات أخلت بالتوازن البيئي في المنطقة، الذي تشكل على مدى ملايين السنين، وأنه من العسير تعويض تلك الموارد البحرية التي تعرضت للضرر. صحيح أن شركة أرامكو السعودية قامت بالتعاون مع جهات أهلية في إعادة زراعة آلاف شتلات القرم في جزيرة تاروت وصفوى ورأس تنورة، غير أن الأمر يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة، وخطط استراتيجية طويلة الأمد لتنمية مستدامة في أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما يتطلب الحد من تفاقم التدهور البيئي، وذلك عبر سن تشريعات وقوانين صارمة لحماية البيئة، ومنع التعديات على السواحل، والعمل على نشر ثقافة بيئية من خلال التعليم والإعلام، كما تلعب منظمات المجتمع المدني على غرار منظمات السلام الأخضر في أوربا والعالم دورا مركزيا في التعبئة الشعبية، ورصد ومراقبة ومحاسبة الانتهاكات الخطيرة التي تطال البيئة وتؤثر بصورة مباشرة على حياة البشر ومستقبل الأجيال القادمة.

إصدار كتاب الأطلس البحري من قبل إدارة حماية البيئة في أرامكو السعودية هو عمل تأسيسي على هذا الصعيد، كما هو مثال ملهم على الجهد العلمي والبحثي والميداني العميق والغني، وذلك لتغطيته لجوانب تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية مهمة لغرب الخليج العربي، وأقر بأنه لا يمكن استعراض ومقاربة الأطلس/ الموسوعة، أو إبداء الملاحظات عليه من خلال مقال واحد.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسين الحماد
[ القطيف ]: 1 / 7 / 2013م - 3:41 م
( وجعلنا من الماء كل شيء حي )
لقد وضعت يدك على الجرح ياستاذنا العزيز نجيب
ان من اكبر الكوارث البيئه التي انزلتها صناعه النفط بسكان المنطقه هي انحسار اكبر نعمه اوجدها الله لمخلوقاته
واصبحت هاجس الكثيرين ممن ينظر لمدى ابعد حيث العالم كله يتدارس ازمه مياه وتنبئات بحدوث حروب وصراعات مستقبليه بعنوان ( الصراع من اجل المياه ) اي من اجل الحياه والبقاء لذا علينا حينما نتحدث عن الاثار السلبيه للبيئه ان نجعل المياه على رأس همومنا قبل اي شيء لان الماء هو اصل الحياه وركيزة البقاء وضامن ديموميتها
اما النفط فله منتهى فيوما ما سينضب
ولكن من سيعيد نعمة كبرى اذا حان زوالها