آخر تحديث: 23 / 7 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

معرض الكتاب القطيفي... أهداف ومكتسبات

عبد الإله التاروتي

معرض الكتاب القطيفي، مشروع يستمد ديمومته، ووهج حضوره ومحضره من خلال الكتاب بوصفه الرافعة الأولى للثقافة والإنسان، وبه ومن خلاله - أي الكتاب - يمتد فعل الإنسان على أوجه مناشط الحياة المختلفة فيخرج به من المحلية إلى النطاق الأوسع في مداه الإنساني.

وتبعاً للمعطي الحضاري الذي تختزنه مفردة " الكتاب " بات من الضروري تكثيف الجهد في هذه الطريق بغية رفد الحراك الثقافي الاجتماعي القطيفي بآلية عمل من شأنها مد جسور التواصل بين القارئ والكتاب. بشكل يتيح الفرصة لرواد المعرض وزائريه من الوقوف الفعلي والميداني على حضور المنتج الثقافي القطيفي كماً ونوعاً في المشهد الثقافي المتنوع، باعتباره إضافة مشرقة لحقيبة الفعل الحضاري على مستوى الوطن الكبير.

ويلحظ المتابع للمشهد الثقافي القطيفي بأن الاهتمام والرعاية بالكتاب في خط تصاعدي لأنه يسترفد الكثير من مقوماته ومقولاته من مناخات الكتاب قراءة وتأليفاً ونشراً، وهذا الفعل والنشاط ينبغي أن يدرك بأنه ليس بالطارئ على أجندة يوميات المثقف والكاتب القطيفي، وإنما هو جزء أصيل من مكونه النفسي والفكري الذي ينحو ناحية الثقافة باعتبارها الفضاء الأرحب الذي ينفتح فيه الإنسان على معالم الحياة بكل حيثياتها وتفاصيلها. وفي إقبال المثقف والمعني بشؤون الفكر والثقافة والأدب من لدن الكثير من أبناء القطيف على ارتياد معارض الكتاب المحلية، والإقليمية، والدولية إلا معطى يحمل في أغلب مؤشراته جانباً ملفتاً من العناية بالكتاب قراءة ونشراً. وهو ما يعكس الحالة الإيجابية التي يتمتع بها الكتاب في الممارسة الاجتماعية، الأمر الذي يستدعي الاستفادة من هذا الاتجاه السلوكي الايجابي نحو الكتاب إلى أقصى حدٍ ممكن، ضمن خطوط عمليات التنشئة الاجتماعية.

والكتاب القطيفي بما يملك من مقومات أساسية سواءً من حيث الكم أو النوع ما يستحق معه إقامة معرض بشأنه، ولعل مشروع مكتبة الأستاذ نزار آل عبدالجبار وقبله مشروع المكتبة القطيفية التي يضطلع الأستاذ السيد عباس أمين الشبركة بريادة فكرتها غير المسبوقة إلا مصداقاً عملياً تعكسه أرقام العناوين التي يتحصل عليها " السيد الشبركة " للمؤلفات القطيفية التي تخرجها المطابع خارج البلاد وداخلها، الأمر الذي يجعل من هذا المعرض - مدار البحث - تجلياً مشرقاً من تجليات الفكرة البِكر للمكتبة القطيفية.

الأهداف والمكتسبات

لما كان المعرض بما يختزنه من طاقة وحيوية، فرصة ثمينة لفعل حضاري متقدم، فإنه وتأسيساً على الأطر المرسومة للمعرض المتضمنة لشحذ الهمم وبعث الطاقات والكفاءات في سياق تبني خيار الكتاب قراءة وتأليفاً ونشراً، يمكن اقتناص مجموعة من الأهداف والمكتسبات والتي منها:

أولاً: لفت النظر للإصدار القطيفي

من المهم جداً تغيير الصورة النمطية للكتاب القطيفي المرتكزة على حصره في زاوية التراث فحسب، فتنوع الموضوعات والأطر المعرفية التي يمتد في مساحتها الإصدار القطيفي تستدعي التوقف عنده ملياً ولفت النظر إليه ووضعه في مواضعه التي يستحقها، وهو ما يعني إعادة التقييم لمشروع الإصدار القطيفي ليقرأ من خلال تموج ألوان الطيف الفكري والمعرفي الذي تأتي في سياقات المعالجة والاشتغال، فالشأن المحلي أو التراثي لم يعد هو المسيطر، وإنما تجد إلى جنبهما العديد من العناوين التي اشتغل عليها العديد من المؤلفين بلغة تخصصية أكاديمية، مضافاً إليها الترجمات من وإلى اللغة العربية، وفي الشعر والرواية والقصة، وبقية المعارف والعلوم الأخرى. وهي في كثير منها غير غائبة عن الحضور في معارض الكتاب المحلية، والإقليمية والدولية.

وفي سياق تطوير آليات الانبعاث الثقافي المصاحب للإصدار القطيفي، فقد برزت المراكز والملتقيات التي لها إصدارتها المستقلة كمركز آفاق للدراسات والبحوث، الذي يعنى بشؤون التجديد الثقافي وقيم الحوار والتسامح وقضايا الحرية والإصلاح، ويستعين في تحقيق عدة آليات عمل منها: تزويد الساحة بكتابات ومؤلفات جادة حول قيم التعددية والإصلاح والعيش المشترك، ومؤسسات المجتمع المدني. ومركز الفقاهة المعني بشؤون الفقه والبحوث والدراسات الإسلامية، ومركز البيت السعيد المعني بالتثقيف الأسري، الذي يتوسل في ذلك بوسائل عديدة منها الإصدار على مستوى الأسرة في موضوعاتها المتعددة. أضف إلى هذه الباقة الحضور الواضح للمرأة في الإصدار القطيفي، إذ لم تعد في الظل كما في السابق، فهذه المؤشرات وغيرها تدعو المراقب والمتابع للشأن الثقافي القطيفي «الداخل / الخارج» للنظر إليها بمزيد من العناية والموضوعية.

 ثانياً: إعادة وتدعيم الثقة بالذات «للمؤلف والقارئ»

وهذه قيمة ومعطى نفسي ذات امتدادات إيجابية متنوعة تنعكس رشحاتها على ارتفاع معدل الإقدام في مضمار القراءة، ومن ثم التأليف والنشر في جانب، وانخفاض لمعدل الإحجام عن التداول للأفكار السلبية المبنية على عدم الثقة بالذات وتقزيم المنجز في الجانب الآخر. فإعادة التوازن والثقة للذات هي خطوة مهمة لا ينبغي تجاهلها أو التغافل عنها خصوصاً وهو يتحرك «المؤلف / القارئ»، ضمن بيئته المحلية الحاضن الثقافي، حيث يجد أن الأرقام هي التي تتحدث وليست الانطباعات العابرة والمقولات العاطفية، فرقم الإصدارت المعروضة مثلاً، يعكس في جانب منه عدد المؤلفين الذين أسهموا في هذا الحراك الثقافي المتنوع، وهؤلاء جميعاً غير بعيدين عن سمع وبصر المؤلف أو المهتم بالشأن الثقافي، والفارق الجوهري يكمن في الحيز الذي تحركت فيه هذه الرؤية والنظرة، فما قبل المعرض، ليس بحال من الأحوال كما بعده، فقبل المعرض يبدو المنتج الثقافي القطيفي في صورة نقط باهتة متناثرة هنا وهناك، أما في المعرض حيث الإصدار إلى جوار الآخر فإن الأمر مختلف تماماً، وهنا يمكن التقاط حالة الفرح والسرور وكثير من المشاعر الإيجابية الدافعة نحو المزيد من الفعل الثقافي، والمزيد من الكتابة والنشر.

ثالثاً: التعرف على اهتمامات القراء واتجاهاتهم

هذا المتغير، يتيح للكاتب أن يبصر من خلال زيارته وتجوله في المعرض ومناقشاته وحواراته المختلفة أن يتعرف على طبيعة الموضوعات التي يبحث عنها القارئ دون غيرها، أو تلك التي لم تأخذ نصيبها المستحق من البحث والدراسة على مستوى المنتج المحلي القطيفي، أو تلك المغفول عنها من الأساس، وهو بذلك - أي المؤلف - يجد بيانات موضوعية سيؤسس من خلالها خيارته للمشاريع التي يعزم في خوض غمار الكتابة والبحث فيها، وهذه الإطلالة من لدن المؤلف وغيره تقود بالضرورة للانتباه لأوجه القصور المختلفة ضمن الإصدار القطيفي والتي تترجم كرقم يغلب في اتجاه أو مسارات معرفية ويقل أو ينعدم في ميادين آخر.

رابعاً: التعرف على تجربة النشر

لما كان الحاضر في المعرض هو المنتج الثقافي المحلي - والذي لا يعني - كما تقدم - انحصاره من حيث البحث والمعالجة ضمن الشأن المحلي، بقدر انتساب المؤلف لهذا المكان الجغرافي القطيف - فإن هذا بالضرورة سيمكن الكثير ممن له تجربة أو تجارب مخطوطة وغير منشورة من الاستفادة من خبرة من سبقه في مجال النشر، وهذه محطة على مستوى بالغ من الأهمية نظراً لما تبعثه هذه الممارسة من رفد المكتبة القطيفية، والوطنية بمنتج ثقافي آخر، ومؤلف يضاف للقائمة الذهبية.

 خامساً: التحفيز لخوض تجربة الكتابة

من غير شك الكتابة نعمة من نعم الله تعالى، وهي موهبة عظيمة تصقلها القراءة والإطلاع، والتخصص. والخطاب هنا متوجه للكثير ممن له اهتمام بالقراءة والإطلاع، والتي تمتد في بعضها لأكثر من عقد أو عقدين أو حتى ثلاثة من الزمن، فهذا الفرد أو ذاك يملك خبرة معرفية متنوعة يمكن لها أن تسجل حضورها إذا ما أُتيحت الفرصة في تسجيلها وتدوينها ومن ثم نشرها. فوقوف هذا القارئ النهم - إن صح التعبير - على الكثير من الأسماء المنتشرة في المعرض والتي ربما هو أخذ غير واحد منها نحو ساحة الكتاب، فتجاوزا مرحلة استيراد الفكرة إلى التصدير، كاسرين لقشر البيضة، بإصدار مستقل، أو مقالة تنشر. هذا النشاط الذهني من دون شك يعمل على التحفيز الذاتي للمساهمة كما البقية في الانتقال من ثقافة المشافهة إلى الحالة الكتابية.

 

سادساً: انتشار تجربة الكتاب القطيفي وتمددها

التجارب عادة تنطلق في الأساس في «مكان مّا»، من فكرة تنقدح في الذهن لحظة تأمل وصفاء ذاتي فردي، أو تعرض ضمن نقاش عابر أو جلسة حوارية «ثنائي، جماعي» والتي ما تلبث أن تتحول هذه الفكرة من القوة إلى الفعل، آخذة طريق الممارسة والتطبيق. وكما تنطلق الفكرة عبر آليات متعددة كذلك انتشارها عبر وسائط متعددة ومختلفة كزيارة لموقع الحدث، أو القراءة عنه، أو السماع عنه أو غير ذلك من أدوات المعرفة.

ومعرض الكتاب القطيفي، من حيث الفكرة دشنت في الواقع الجغرافي لمحافظة القطيف، وهذا لا يعني وقوف هذه التجربة عند هذا الحيز، فهو لا يعبر عن المناطقية، بقدر ما يشير إلى تعريف الذات والآخر بهذا المنتج الثقافي دعماً له، وتبصيراً بمحتواه وعناوينه، فكما هناك معرض للكتاب الطبي، وآخر للهندسي، وثالث للأدب والتاريخ، وهكذا...، فالتخصيص هنا بفرع علمي دون آخر لا يعني بحال من الأحوال - ولا ينبغي تصور ذلك - بأنه حذف وشطب لبقية التخصصات والحقول العلمية، بقدر ما تتيحه هذه الفعالية من وقوف المتخصص على المستجد في عالم النشر في تخصصه، أو الإطلاع على إصدارات لم يتسنى له الإطلاع في وقت سابق، وهو عيناً ما يقوم عليه مشروع معرض الكتاب القطيفي في إتاحته لفرصة الاقتناء أو الإطلاع على آخر ما صدر أو تلك التي لم يسمع بها إلا من خلال المعرض. من هذه الرؤية والتصور يمكن لكل منطقة أو محافظة من الاستفادة من معطيات هذه التجربة واستنساخ الفكرة والمشروع لتطبيقه وتفعيله في محيطها وبذلك تنتشر الفكرة وتعمم على مستوى جميع مناطق ومحافظات الوطن الكبير، ليتحول الكتاب من مجرد عنوان عابر، إلى محطة فاعلة تستقطب في أجوائها العديد من البرامج والأنشطة على امتداد العام فيكون لكل محافظة معرض لكتابها ومؤلفيها يلتقون فيه فيحاورون ويتحاورن تحت مظلة الكتاب الذي لا يمنع أحداً من الاستمتاع بظلاله الوارفة.

ختاماً: إن إقامة معرض للكتاب بشكل عام عملية ليست سهلة يعرف حقيقتها من عاش تجربتها، وتخصيص المعرض بمسمى محلي هو تحدي للذات قبل أي شيء آخر، وهي عملية بحاجة للمزيد من الجهد، والمزيد من عمليات العصف الذهني للخروج بالفكرة من القوة إلى الفعل وبما يضمن لها الفاعلية والاستمرار. وبجمع كل هذه المعطيات وغيرها من الأهداف والمكتسبات، يمكن لمعرض الكتاب القطيفي أن يتحرك في فضائه فتعقد تبعاً لذلك وعلى هامشه الندوات، وورش العمل للتدريب على القراءة والكتابة، والمحاضرات، والأمسيات القصصية والشعرية المصاحبة، دون أدنى شعور بالنرجسية وتضخم الذات، أو البخس والتقليل من أهمية الآخرين على هذا الصعيد، فلكل ورد رائحة. والسماء لا تضيق بنجومها.

*إشارة: أقيم معرض الكتاب القطيفي، على صالة الفنون التشكيلية بمركز التنمية الاجتماعية الأهلية بالقطيف، من 18 - 22 ذو الحجة 1432هـ، من «5 - 10» مساءً، تحت إشراف لجنة التنمية الاجتماعية بمحافظة القطيف، بالتعاون مع جمعية المكتبيين بالقطيف، أما المنظمون لهذا المعرض فهم: السيد علوي باقر الخباز، سعيد محمد الزاير، السيد عباس أمين الشبركة، بشير أحمد البحراني، حسن عبدالعلي آل حمادة، عبدالإله حبلان التاروتي، نزار حسن آل عبدالجبار، رضي منصور العسيف، حسن علي آل مطر، محمد عبدالواحد آل حريز، حسين عبدالعزيز الضامن.