آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إني أرى

صالح

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

في قريته الصغيرة المطلة على البحر أفاق «صالح» باكراً كعادته. لم يكن يعلم أنه في مساء ذات اليوم العاديّ أن سنينه الإحدى عشرة ستكون مكدسة في «وانيت» مختنقة بالدموع التي لا يُسمح لها أن تُهراق.

لا يعرف كيف وقع في أيدي هؤلاء الغرباء، ولا يعرف أياً من الأطفال الذين يرتعشون كفراخٍ مبتلة ويزاحمونه صندوق السيارة الخلفي. انطلقت السيارة من قريته متجهة إلى الحدود. هناك فقد اثنين من الأطفال يديهما ثم ضمدتا بقماش رثّ. وسقط أحدهما مودعاً الروح بارئها. في ظرفٍ كهذا، وفي ليلةٍ كهذه تصغر قيمة الإنسان لئلا تتجاوز ركة من قدم صاحب «الوانيت».

الأرض مبقعة بقطرات الدماء وبقايا أنين متعب يحرمه الأجوبة.. ثم وجد نفسه على تخوم الرياض.. حيثُ سمح له - وبقية الأطفال - بالانطلاق خارج الوانيت ذي الرائحة النتنة. ليتفرقوا في الشوارع والأرصفة محاصرين بالوقت وبالوعيد من صاحب «الوانيت» الذي حدد لهم وقتاً معيناً لانتهاء المهمة وجمع المال.

كُنت مشغولة بقراءة كتاب أتركه دائماً في السيارة لأمرر به الانتظار الطويل في الإشارات والاختناقات الكثيرة. عندما أفزعتني عدة طرقات على النافذة كالعادة. يدٌ سمراء نحيلة وعينان فارغتان من حُلم تتطلعان إليّ باستعطاف صارخ. سرحتُ في تلك العينين المذعورتين: كم عاماً طويت خلفك؟ أي أُمٍّ تلوب حول فقدك الآن؟ كم فم جائع ينتظر ما ستعود به، أو كم محفظة ستخطف عرقك بلا أدنى مبالاة؟ بعد أعوام من الآن هل سأصادفك في الشارع ذاته، بالعينين ذاتهما الضاجتين بالتيه، أم هل لحياة كحياتك يا «صالح» أن يتداركها الزمن وتعود لبيتك وأمك وأبيك وإخوتك وجوعك الذي تعرفه؟ كأنما العينين الفارغتين صمتٌ أبديٌ يدفعك للفرار.

تغير لون إشارة المرور للأخضر وتحركت السيارة. الجسر الممتد بين عينيه وعيني يتداعى بالمسافة لكنما الصمت الموجع بقي كما كان، غامرا بالوحشية والقسوة.