آخر تحديث: 19 / 7 / 2019م - 1:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

حديث الشهيد قريريص الذي أوجعني!

حسن آل حمادة *

حين التقيت به لأول مرّة، سألته: ما اسمك؟

فقال لي: "علي حمادة"! ثم أعقب مقولته بابتسامة صادقة، وأضاف قائلاً: معك "علي قريريص"!

كان هذا جزءًا من حديثٍ قصير جرى بيني وبين شهيد العوامية الذي اختطفته رصاصة غادرة مساء الأربعاء بالشويكة، وهو يطالب بحقوق بني وطنه وكرامتهم المنتهكة.

الحديث السابق قُدِّر أن يجمع بيننا في حي العزيزية بمكة المكرمة، إذ وفقت للتعرف إلى الشهيد في «قافلة البعثة» الموسم المنصرم، وقد دار بيننا الكثير من الكلام الجميل.

أما أجمل اللحظات التي عشتها معه، فقد كانت في بيت الله الحرام، إذ صعدت إلى الدور العلوي من الحرم المكي، وكانت عندي رغبة عارمة بأن أقرأ بعض الأدعية، أثناء نظري إلى الكعبة مباشرة، كما اعتدت في كل مرّة أوفّق فيها للحج. وما إن صعدت حتى رأيت الشهيد مباشرة أمام وجهي، فوقفت بجواره، وبدأت بقراءة بعض الأدعية بواسطة الهاتف المحمول، ثم لمحت كتاب «الصحيفة السجادية» بين يديه، فمددت يدي لأخذه، وقلت له: سأقرأ منه قليلاً، وبعد تصفحه رأيت آثار الدموع تعلو بعض صفحاته، وبدأت بقراءة «مناجاة التائبين»، وكنت أردد مع الإمام علي بن الحسين السجاد «عليهما السلام»:

"إلهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطايا ثَوْبَ مَذَلَّتِي، وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي، وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي، فَأَحْيِه بِتَوْبَة مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيَتِي، وَيا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي، فَوَ عِزَّتِكَ ما أَجِدُ لِذُنُوبِي سِواكَ غافِراً، وَلا أَرى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جابِراً، وَقَدْ خَضَعْتُ بِالإنابَةِ إلَيْكَ وَعَنَوْتُ بِالاسْتِكانَةِ لَدَيْكَ، فَإنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ؟ وَإنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ؟ فَوا أَسَفاهُ مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي، وَوالَهْفاهُ مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِراحِي".. وكان الشهيد يصغي معي باهتمام إلى المناجاة، فدفعني ذلك للاستمرار، وصرت أردد:

"إلهِي إنْ كانَ قَبُحَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ"، وأنهيت مناجاة التائبين، وقرأت بعدها «مناجاة المريدين»، و«مناجاة الخائفين»، و... ثم قلت له: هل اكتفيت، فطلب مني المزيد، وكنّا حينها نعيش أجواءً روحانية ليس بوسعي وصفها الآن!!

هذه بعض اللحظات التي عشتها مع هذا الإنسان المؤمن الخلوق.. ثم عدنا إلى القطيف، والتقيت به مجددًا، في العوامية ظهر الخميس المنصرم، مع أصدقاء «قافلة البعثة» على مأدبة غذاء تجمع حجاجها الكرام في لقاء وداعي!

أما المرّة الأخيرة، فقد كانت مساء الأربعاء، ليلة الخميس بعد أن شارك الشهيد مع الحشود في تشييع الشهيدين السعيدين «ناصر المحيشي، والسيد علي الفلفل» إلى مثواهما الأخير في مقبرة الشويكة، إذ قصدت مسجد الشيخ أمان - المجاور لبيتنا في الشويكة - مع الصديق العزيز الإعلامي علي آل طالب، لنصلي صلاة العشاءين، وبعد أن تهيأنا للصلاة لمحته، فسلمت عليه، ورد عليّ السلام مع ابتسامة غامضة!

ثم قلت له مبتسمًا: هل سكنت في الشويكة؟

فقال: لا، فأنا لا أزال أسكن في العوامية! وأردف قائلاً: لا بأس سأسكن في الشويكة! ولكن، ابحث لي أولاً عن فتاة لأتزوجها!!

حينها ابتسمت، وضربت بيدي على فخذي الأيمن وقلت له: "خلاص، تم"! فقط قل لي كم عمرها؟

ثم ابتسمنا معاً، هو وأنا، وشاركنا الابتسامة بشيء من الاستغراب الصديق علي آل طالب!

لا أدري ما هو سر هذا اللقاء الذي جرى الليلة، ولا أدري هل كان الشهيد علي قريريص على يقين بأنه سيرزق الشهادة، وتزفه الملائكة إلى الجنة بعد هذا اللقاء! ولا أدري عن أشياء كثيرة كانت تدور في ذهنه!

كل ما أعرفه أنه قال لي: اختر لي فتاة من الشويكة، لأسكن معكم! وها هو يحقق بشهادته ما أراد!!

كاتب سعودي «القطيف».