آخر تحديث: 22 / 7 / 2019م - 11:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

الديمقراطية وحقوق الإنسان.. من عنصرية «بوكل» إلى ذبح الشعوب

السيد عدنان العوامي *

كم بوسعنا أن نثق بصدق النظرية التي وضعها البارون الفرنسي مونتيسكيو - Louis Charles Montesquieu - «1689 - 1755» على واقع السياسة الأمريكية المعاصرة؟ هذه النظرية تدِّعي بأن العلاقة بين صيغة الحكم بأنماطها الثلاثة: «الاستبدادية المطلقة Dispotism، الملكية، الجمهورية»، تكمن في خصوصية البيئة المناخية والجغرافية، والظروف العامة.

العنصران الأولان مفهومان، ويمكن أن يحصر البحث في صواب النظرية أو خطئها من خلال معطياتهما، أما العامل الثالث: «الظروف العامة» فالظاهر أنهما درَّاجة الهرب من المأزق، فكلفة البحث فيها تساوي كلفة البحث عن ذرة في قيعان المحيط، أو طوفان من الرمال المتحركة.

المؤسف أننا لا ندري لما ذا لم يذكر «مونتيسكيو» الحكم الإمبراطوري بين طرز الحكومات التي نظَّر لها، فلعله أدرجها طيَّ ضِمام الحكم المطلق. لكن الواضح أنه نظَر إلى مجمل الأوضاع التي كانت فرنسا تعيشها في زمنه؛ من استبداد الملك، وسيطرة الإقطاع، وغرق طبقة الرأسماليين في الرفاهية والبذْخ، وما أدى إليه من إفقارٍ لباقي طبقات الشعب، وإفلاس الدولة، فظن أن هذه حالة خاصة بفرنسا، ولذلك ربط ظاهرة الاستبداد ببيئتها، وجغرافيتها، وأوضاعها، ولو قدَّر الله أن يمدَّ في عمر هذا الفيلسوف نيفًا وثلاثين سنةً فقط، فيعمره إلى سنة 1789م، ورأى تلك البيئة المضطهدة وهي تلفظ مضطهديها، وتنصب لهم المقاصل، في ما عرف في التاريخ بـ «الثورة الفرنسية»، فلربما أدرك أنه وقع في خطأ فاضح.

ذات الوهم وقع فيه المؤرخ الإنجليزي بوكل Henry Thomas Buckle «1821 - 1862»، فقد أراد تطبيق النظرية ذاتها على شعبه الإنجليزي، بتأثير عقدة الاستعلاء الإنجليزية المشهورة: ٍsuperiority complex، فنظَّر لتفوق العنصر الإنجليزي England's pre - eminence مدَّعيًا أن البيئة الإنجليزية هي سبب تفوق الإثنية الإنجليزية على غيرها، ولها وحدها الفضل في سيطرة بريطانيا العظمى واستعمارها الواسع العريض إلى الحد الذي أغراها بأن تعنون نفسها بـ «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس».

واضح أن بوكل انبهر بضخامة الذراع البريطانية، وطولها، فعزاها إلى خصوصية متميزة في العنصر الإنجليزي، تخلقت فيه بتأثير البيئة والموقع والمناخ، حسب نظرية مونتيسكيو.

ولربما أعماه انبهاره فلم يبصر شيئًا سوى عبقرية الإثنية الإنجليزية، وكان الأدعى أن يلاحظ بروز إمبراطوريات كثيرة قبل بريطانيا كانت أقوى وأطول ذراعًا منها، بل لم ينتبه إلى أن تلك الإمبراطوريات، لم تكن بيئتها ولا جغرافيها قد تغيرت عندما سقطت وتلاشت من الوجود. الإمبراطورية السماوية «Celestial Empire» في الصين، مثلاً، بيئتها تختلف عن بيئة بريطانيا وجغرافيتها، ورغم ذلك بلغت من الجبروت حدًّا اعتقدت بسببه أنها مختارة من السماء.

الأدهى أن» بوكل «لم يتنبه إلى أن البيئة ذاتها التي أبلغت بريطانيا تلك المنزلة من التفوق والقوة لم تحل دون انهيارها أمام ضربات الثورة الأمريكية بعد عشرين سنة فقط من موت مونتيسكيو، صاحب النظرية، ولو أن الجدَثَ انتفض به فعاد للحياة اليوم لغطى وجهه خجلاً من نظريته وهو يرى إمبراطوريته العتيدة التي كانت - في أيامه - لا تغيب عنها الشمس، لا تجد لها اليوم موطئ قدم في هذا العالم، بل لم يعد لها من دور إلا خدمة الدراكولا الأمريكية؛ بأن تقِّطع لها جثث فرائسها، ثم تغسل يدها، وتخلل أسنانها، وتنظف مائدتها.

الغريب أن بريطانيا كانت تعي جيدًا صدق ملاحظة «إخوان الصفا» التي انتحلها ابن خلدون، أو تبناها، حول الشبه الكبير بين نشأة الدول والإمبراطوريات ونشأة الإنسان، فهي تنشأ طفلة، فيافعة، ثم تجنح إلى الشيخوخة والهرم، ثم الانهيار فالاضمحلال، ولم يفتها أن تأخذ بأسباب الحيطة والاستعداد لتجنب هذه النهاية الكارثية، فدعت - في عهد رئيس وزرائها السيد كارمل - لعقد مؤتمر سرِّي سنة 1905م، حضره عدد كبير من العلماء والخبراء في جميع العلوم: السياسية، والعسكرية، والفلسفية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتاريخية، والمناخية، والجغرافية، والرزاعية، والجيولوجية، والفلكية، وكثير غير أولئك من أساتذة الجامعات المتخصصين في شتى العلوم.

بحث المؤتمرون، «أو المتآمرون»، جميع السبل والوسائل التي ظنوا أنها تحفظ لتلك الإمبراطورية شبابها وعنفوانها، وديمومة احتكامها في مصير البشرية، فكانت التوصية بالسيطرة وإحكام القبضة على المستعمرات هي أهم مقررات المؤتمر، وأكثر نصائحه للحكومة البريطانية إخلاصًا، فقد حظي التمسك باستلاب ثروات المستعمرات، خصوصًا البلاد العربية، وفي مقدمتها فلسطين بشكل أخص، بأكثر اهتمامات المؤتمرين، ظنًّا منهم بأن المال والطغيان والعنف هي عوامل البقاء الأساسية. فأين هي تلك الإمبراطورية؟

أتصور أن المؤتمرين قد بحثوا كل شيء إلا التاريخَ وعِبرَه، وأغلب الظن أنهم اعتقدوا أن عِبَر التاريخ يعفِّيها الزمن، ولذلك لم يبحثوا، مثلاً، أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية المقدسة «Holy Roman Empiree». وهي تجرُبة سبقت الوحدة الأوروبية بقرون عديدة، بل لم يفكروا حتى في أسباب ثورة الفلاحينRevolt ‘Peasants عام 1381م في بريطانيا التي أطاحت بالملك ريتشارد بسبب فرضه ضريبة الرؤوس، ولم يراعوا أسبابها.

وكما لم يلتفتوا، أبدًا، إلى ثورة الفلاحين في ألمانيا سنة 1524م على نظام العبودية «Serfdom»؛ لم يبحثوا، أيضًا، الأسباب التي ألهبت نيران الثورة في أمريكا، وقلبت المنضدة في وجه إمبراطوريتهم العظمى، ولم يهتموا بمعرفة الأسباب ذاتها التي أضرمت الثورة الفرنسية، وأطاحت بالملك، فلما ذا لم يدركوا هذه الأحداث؟

العلة - في تقديري - أن انصراف دهاء الساسة، وخبثهم إلى البحث عن الدقائق، والغوص في الأعماق، يعمي بصائرهم، دائمًا، عن الواضح القريب من الأمور.

الأمور الواضحة تراها البصيرة، وهم يرون بأبصارهم. ألا ترى كيف يضع المهربون الممنوعات أمام حدقة عين مفتش الجمرك في مقدمة الحقائب؟ حال الساسة كحال مفتشي الجمارك، يرون الحقائب بأبصارهم، لكن رؤية ما بداخلها يحتاج إلى بصيرة لا إلى بصر.

لذلك لم يتخيل المؤتمرون أن الفقر والاستبداد والظلم، والقهر، والبطش والجبروت هي التي توصل - في النهاية - إلى سقوط الجبابرة؟ لذلك نصحوا "كارمل" بالمزيد من العنجهية والعربدة، فكرست بريطانيا دهاءها وقواها للإطاحة بتركيا، ولكنها - في النهاية - غرقت في حربين مدمرتين أنهكتاها، وعجلتا بشيخوختها، ثم نهايتها.

هل نريد مزيدًا من الأمثلة؟ في سنة 1848م عمت الثورات كلَّ أوروبا، تقريبًا: فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، النمسا، هنغاريا لذات الأسباب: السلب، النهب، التجبر، الفقر، الظلم، الاضطهاد. لقد قمعت تلك الثورات، ولكنها لم تتوقف؛ لأن الظلم والاستبداد لم يتعلم، ولم يستفد من الدروس.

أغرب ما في الأمر أن الثوار أنفسهم يتحولون، في العادة، إلى مستبدِّين وطغاةٍ فور قضائهم على الطغاة الذين ثاروا عليهم، فبريطانيا ثارت على الظلم، وتخلصت من ملك، ولكنها لم تخفف من ظلمها لمستعمرات لا تغيب عنها الشمس.

روسيا. ألمانيا، هولندا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، ودول أخرى كثيرة، استعمرت وظلمت، فهل فهمت أو تعلمت؟ أبدًا، إنها بدل أن ترعويَ وتثوب إلى الرشد دفعتها شهوة الظلم والاستبداد والسيطرة إلى تشكيل أحلاف الشر فيما بينها؛ لبسط القوة وقمع الإنسان أين ما كان، ولم تفكر - مطلقًا - في أن الظلم الذي قاست منه طويلاً، ودفعها إلى التمرد، والاستماتة في سبيل الخلاص، والحرية والعدل، هو نفسه الذي يدفع الشعوب المضطهدة للبحث عن وسائل الدفاع عن نفسها، وهذا ما لا تريد القوة أن تعترف به.

الآن جاء دور الكاوبوي العصري المتحضر، رفع شعار الحرية، جعل له تمثالاً سامقًا يواثب السماء بما يناهز الخمسين مترًا فوق القاعدة، ثم سماه تمثال الحرية Statue of liberty، ونصبه في جزيرة فيحاء سماها أيضًا جزيرة الحرية Island of Liberty. جعل هذين المعلَمين أهم معالم حضارته. لكن علينا أن لا ننسى الآن أن هذا التمثال مستورد، صنعه المثال الفرنسي بارتولدي، وقدمته فرنسا هدية للشعب الأمريكي.

ليس في الأمر أية غرابة أن يقيم الأوروبي المتحضر تمثال حريته على أرضٍ أباد من سكانها الأصليين الهنود الحمر وحدهم خمسين مليونًا، وجلب إليها خمسة وعشرين مليونًا أخرى من الأفارقة خلقهم الله أحرارًا، وأرادتهم حضارة الإنسان الأبيض عبيدًا، فكانوا كما أرادت.

الغريب أن هذا الأوروبي الذي قدَّم تمثال الحرية للكاوبوي الأمريكي هو هو نفسه الذي استعمر ذلك الكاوبوي، واستعبده، وهو ابن جلدته، وعلى هيمنته هو ثار، وتمرد، فأين هو دور البيئة والمناخ، والجغرافيا؟

إن الغالب والمغلوب، والمستعمِر والمستعمَر نتاج الفصيلة نفسها المدعى تفوقها، فكلاهما آت من بيئة واحدة هي بيئة الإمبراطورية المقدسة.

عقدت قبل مؤتمر "كارمل" وبعده مؤتمرات، ولجان، وأعدت أبحاث ودراسات، ولكنها: أيضًا، لم تر شيئًا مما هو ظاهر للعيان.

ها هي الأقمار الصناعية، وصواريخ كروز، وتوما هوك، وحوامات الأباتشي تفتش عن الإرهاب في كهوف أفغانستان، وقريبًا ستقوم بالبحث في جبال إيران، وأحراش سورية، ولبنان، وبحيرات النيلين الأزرق والأبيض، وأدغال الفلبين، وأوحال الصومال، وقد تعود لحرق أشجار الغابات في فيتنام؛ لأنها لا تعرف، ولا تريد أن تعرف - أبدًا - في أي مختبر من مختبرات العالم المتحضر تصنع جرثومة الجمرة الخبيثة «anthrax»، ولا أنفلونزا الطيور، ولا جنون البقر، ولا انفلونزا الخنازير، ولا سل الجراد، وطاعون القرود.

إن معضلة المخططين السياسيين أنهم مصابون بمرض الطمس Hyperopia في بصائرهم، وليس في أبصارهم. ويعرف الأطباء أن المصاب بهذا المرض لا يرى إلا البعيد.

ألم يقنعونا بأنهم استنقذوا من ذلك الجحيم، الذي أحال الحديد والإسمنت في برجي مركز التجارة العالمي إلى دخان مرعب، رسائل الخاطفين، وجواز سفر لأحدهم؟ لكنهم لم يخبروا أحدًا بسر قدرة أولئك الخاطفين على الإفلات من كل أجهزة المطارات، ووسائل الحماية فيه، من رادارات وكامرات مراقبة، ولم يروا سوى 19 عربيًّا هم الذين دبروا تفجير البرجين، بعضهم توفي قبل سنتين، والبعض الآخر كان في منزله بالرياض مسمرًا أمام التلفزيون مذهولا بمشاهدة الدخان المتصاعد في سماء الفاجعة، ولا ندري لماذا لم تعلن أسماء ضحايا الطائرات المختطفة، وكيف نجا المختطِفون؟ وأي وسيلة استخدموا للنجاة؟

وكما عجزت البنتاجون عن حماية مقرها لانشغالها بحماية الأنظمة خارج أمريكا؛ فمن المؤكد أن الـ CIA، لم تفتح أعينها على مظاهرات سياتل؛ ولا على مخيمات المعتصمين في مبنى «Franklin School»، وسط العاصمة الأمريكية؛ لأنها منهمكة أو منهكة في تعقب العديد من المنظمات في العالم، خوفًا من أن تغص بها شوارع دوربان وأخواتها مستقبلاً، ومن قبلها مظاهرات مناهضي العولمة في إيطاليا، وثمة أمور أخرى كثيرة غابت عن بال القائمين على أمن أمريكا وسلامتها بنظام التحكم عن بعد «Remote control system»، بعضها في الخارج والكثير منها في الداخل.

ثمة ملاحظة في ديمقراطية الغرب أراها بوضوح لكنني لا أفهم لها تفسيرًا، ومن يدع فهمها أو القدرة على تفسيرها فليتفضل عليَّ بالشرح والتعليل؛ تلك الملاحظة تضخمت في نظري حتى صارت ظاهرة من ظواهر الطبيعة البشرية، وأعني بها تلك الفروق الواضحة بين الشعار المرفوع قبل الانتخابات، وما بعدها، فما أن يصل حضرة المنتحب إلى سدة الحكم حتى ترى بندقيته متفجرة في صدور ناخبيه قبل غيرهم من المواطنين، فيصبح الناخب مخرباً، مشاغبًا، خارجاً على القانون. هذا في الدول التي تدعي الديمقراطية ولها دستور يصوت عليه الشعب، وقوانين، وقضاء مستقل، ومجلس نيابي منتخب، فما بالك بتلك الدول التي لا تسمح لمواطنيها حتى بنقابة لذوي الحرف؟ الذي الأمر الذي يمكِّننا من الجزم بأن العالم، الآن، مقسم إلى قسمين اثنين أو ضفتين لا ثالثة لهما، في إحداهما تقف الشعوب مضطهدة مقهورة مستلبة الحقوق، وفي الأخرى تقف الحكومات بأسلحتها وذخائرها التي اشترتها أو أنتجتها من عرق تلك الشعوب، ومن يدع غير ذلك فليأتنا بالدليل.

يبقى السؤال الأبدي الملح: إلى متى سيستمر هذا الانقسام بين الشعوب وجلاديها؟ أليس: في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب؟

أديب وكاتب سعودي «القطيف»