آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 3:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

طوفان من الكآبة، لكن.. لا بد من العبور

الدكتور توفيق السيف *

كان هذا يوما كئيبا مثخنا بالدماء المحرمة مجللا بالحسرة والاسى على الاحرار الذين فارقونا. كأن عاشوراء حل مبكرا في مدينتا التي يلفها حزن مخيم على كل شارع، بل كل حجر وحبة تراب.

البارحة التقيت عددا من اصدقائي، كل منهم يتساءل بطريقته: كيف وصلنا الى هذا المكان، واين نتجه؟.

انا مثلكم ايها الاعزاء، استولت على نفسي الحسرة واعجزتني عن التفكير. الدم ليس مجرد حدث، انه طوفان مشاعر يهز الروح، يحتكرها، ينفي كل شيء آخر غيره.

قضيت اليوم ساعات، احاول كتابة شيء يستطيع عبور هذا الموج. العديد من اصدقائي الاعزاء الذين هاتفوني اليوم يطلبون مني رأيا، يسألوني عن موقف، ولو راوني احاول جمع شتات نفسي وعقلي فلربما بادروني بالعذر.

اما وقد وصلنا الى هنا، فاني اصارحكم بخوف من الآتي لا ينبغي ان اخفيه. لقد كافح مجتمعنا المظلوم سنوات طوالا في سبيل حقوق مدنية وسياسية، سوف نصر عليها ولو انكرها العالم كله. طوال هذه السنين حافظ مجتمعنا على سلمية الحركة وتركيزها على الحقوق المدنية واجتنابها اي انزلاق الى العنف والتشدد. لكني ارى اليوم شبابا يتحدثون عن النار والسلاح كما لو كان عصا سحرية. اراهم يرفضون كل حديث عن الحراك السلمي وكانه حديث الشيطان. اراهم كذلك فاستذكر دعوة سيدنا المرحوم اية الله الشيرازي الذي قال يوما ان النار والرصاص يجعلك مساويا للظالم وينخر حقك حتى يصبح مثل شجرة صفراء يابسة، هيكل غادرته الحياة.

وصلنا بحمد الله ونشاط الشباب الشجعان ودعم المجتمع الى مستوى المطالبة الصريحة بحقوقنا السياسية والمدنية دون خوف او تردد. لم نعد بحاجة الى المداورة او الكناية او غيرها. لكني اخشى من ان نعود الى المربع الاول، ان نطالب بما هو ادنى من ذلك. مثل عربة بلغت نصف الطريق الى قمة الجبل ثم انفرطت فراملها فعادت الى قعر الوادي.

يجب ان نقف بكل شجاعة وصراحة ضد الدعوات المتطرفة الى العنف، ضد الخروج بالسلاح، ضد اطلاق النار، ضد تدمير الممتلكات العامة والخاصة. على شبابنا الشجعان ان يستنكروا اي دعوة للعنف لانها ستقودنا الى الفشل والخسران. ليس منا ايها الاصدقاء من دعا للعنف، لا يمكننا الوقوف صفا واحد مع من يعجز عن ضبط انفعالاته ومشاعره.

علمت قبل قليل ان عددا من كبار المشايخ اصدروا بيانا يدعون فيه الى المسالمة والمصابرة ويؤكدون على سلمية التحرك. هذا صوت العقل وهو صوتنا جميعا.

من يشكك في جدوى العمل السلمي مخطيء، ومن يدفع الناس الى العنف آثم.

نشهد كل يوم كما هائلا من الاخطاء ترتكبها اجهزة الدولة، ونشهد تعبئة سوداء بين الطائفيين ضدنا، ونشهد استهتارا بالدماء عند بعض المسؤولين الذين اعتادوا على التهديد والوعيد في كل مناسبة.

نقول لهؤلاء: طز في تهديداتكم، نقول للطائفيين: طز في تعبئتكم. ونقول لشبابنا الاعزاء: احذروا الانزلاق، فهؤلاء ينتظرون ان ترتكبوا خطأ كي يعيدوكم الى المربع الاول.

لا تسمحوا لدعاة النار والدمار ان يخطفوا سفينتكم ويلقون بكم الى قعر الوادي بعدما بلغتم نصف الطريق. اتقوا الله في انفسكم وفي تاريخ طويل من التضحيات والكفاح المرير.

واصلوا مطالبتكم بحقكم في الحرية والكرامة والمساواة، بالسلم اولا، وبالسلم دائما. تذكروا اخيرا ان السلم هو شعار الربيع العربي، وهو رمز نجاحه، تذكروا ان مجتمعنا كله معنا اذا واصلنا طريق الكفاح السلمي، لكنه سينقسم على نفسه اذا ساد العنف والتشدد.

يوما ما، نراه قريبا بعون الله، سنكون احرارا اعزة، سنحصل على المساوة، ولن يكون هناك تمييز او اذلال.

حرسكم الله من كل سوء، وبدل احزانكم فرحا، وانعم عليكم بالعز والكرامة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.