آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

أنا سني.. أنا شيعي!

فوزي صادق *

لا أريد أن أكرر نفس الأسطوانة وأفسر الماء بعد الجهد بالماء، فقد أشبع الموضوع حواراً وصراخا وتشنجاً ولعناً وقتلاً وتفخيخاً عبر المواجهات والقنوات وعلى الورق واليوتيوب والمواقع الإلكترونية وغيرها من وسائل الأعلام، وحتى أصبح الهندي في البقالة يسألني أنت سني أم شيعي؟ وحتى أصبح رئيسي الأجنبي بالدورة التدريبية يسألني أنت كهرباء مئة وعشرة أو مائتين وعشرين! وحتى أصبح الموظف بالدولة أو الشركة أو قبول الجامعة يحلل أسمي وأسم أبي ومسقط رأسي ولهجتي ومأكلي ليعرف مذهبي كي يقرر بقبولي من عدمه!

إن موضوع سني شيعي هذا اليوم متجذر تحت مخ كل مسلم كالخرسانة، وهي ثقافة تربينا عليها منذ الصغر، منذ أن سألوني أصدقائي عن البلبل والعصفور « أيهما سني أو شيعي »، وأصبح واجباً على كل أب وأم أن يجتهدا في وضع أبنهما بالقالب المذهبي المطابق حسب أعتقادهما « لا الديني الإسلامي الإنساني » وأن تكون خطى سيره وبما يؤمنان به.

لن أزايد هنا وأراهن على الدين والقبلة والقرآن والدم واللغة والوطن والهواء ووو... فالكل يعرف ويحفظ هذا الدرس عن ظهر قلب، لكن ما أريد أن أطرحه، هو لماذا كلما ابتعدنا عن الوطن اقتربت أرواحنا لبعضها البعض؟ وتجاذب كلاً منا نحو بني وطنه، حتى إذ وصلنا الي أخر أصقاع الأرض، نكاد أن نصبح شخص واحد، والفرحة تشق قلوبنا عند رؤيتنا بني عرقنا، ولدرجة أن بعض المبتعثين وقعوا بالحب المنتهي بالزواج، وخططوا ونفذوا ذلك بعد العودة للوطن.

لنلقي نظرة على المبتعثين في خارج الوطن، صراحة إنهم مكان غبطة.. إنهم ينظرون إلي البعض بالمواطنة والانتماء للوطن، بغض النظر عن المذهب والفكر، فكل هذا يذوب مع الغربة، ويصبحون سفراء لوطنهم دون اقصاء لأحد.

حتى لاعبي الكرة والفرق الرياضية في المحافل الدولية، هم يمثلون وطنهم بكل أطيافه، لا مذهبهم أو رجال الدين، فترى الحارس الشيعي يحمي ويدافع عن مرمى بلاده بدمه، ثم يحتضن بني جلدته السنة بعد تحقيق هدف لبلادهم.

دائماً نطرح السؤال، هل هي الغربة ونظام البلد الأجنبي التي تفرض علينا أن نحب أبناء جلدتنا ونخاف من العقاب، أم هي الوحدة والخوف من الضياع بمعمعة الزحمة، والبحث عن داعم وشريك للوحدة لإيجاد الطمأنينة النفسية.

وما أن نعود للوطن حتى يعود التشنج والركض خلف مزامير الفتن، والإنصات لقنابل الإقصاء والتنفير من وسائل الأعلام وغيرها، وتبدأ معركة الإقصاء من جديد، والتحرش بالوطنية بإثباتها من نفيّها.

أخي المختلف عني مذهبا وفكراً ونحلاً، كلانا يعترف بقدوتنا الرسول الكريم ﷺ وصحبه الكرام، ونعترف بقصته مع جاره اليهودي، فما رأيك أن تعترف بوجودي، وتعاملني كما عامله الرسول بعيادته أثناء مرضه. صدقني لن أزعل، وأنا موافق من كل قلبي أن تحترمني كما أحترم الرسول اليهودي، ورجاء منك شريكي بالوطن، بكل يوم تمر أمامي عند باب بيتنا، أو أمامي بالعمل، أو بالشارع، أو بالسوبرماركت، فقط قل « السلام عليك يا شريك الوطن » ومع ابتسامة كما فعل الرسول.. فما بالك بمن ينطق الشهادتين ويزاحمك بالمدرسة والعمل والحج والعمرة.

وأقترح على حكومتنا الرشيدة أن لا تقتصر الإبتعاث على الطلبة فقط، بل أن تبتعث أولياء الأمور أيضاً، كالأب والأم وحتى الجد والجدة أن وجدوا، وهم أولى بالإبتعاث من غيرهم!، لأن الشاب والفتاة العائدين للوطن مع أفكارهم الجميلة وأخلاقهم الإنسانية، سيواجهان وسيعودان إلي نفس البيئة السابقة المشحونة والمكهربة دون أي تغيير يذكر، وفي نفس صومعة الإقصاء والتكفير.

شريكي بالوطن، ليتنا نتعلم من الهنود، أو الماليزيين أو السنغافوريين، لأنهم الأقرب لجغرافيتنا ولدمائنا وعروقنا، فتجد بالحافلة أو بالطائرة، أو ببعثة خارج وطنهم، من بينهم من هو مسلم أو بوذي أو مسيحي أو وثني أو بلا دين، وحتى عروقهم تجدها مختلفة، فبعضهم يعود لعرق هندي سكريتي أو صيني أو عربي أو منغولي، والكل راض عن وضعه بالمعادلة، والكل يعترف ويحترم بوجود من يختلف عنه، ومتكيف معه، وفي النهاية الجميع يمثل الوطن. « بلادي وإن جارت عليً عزيزة وأهلي وأن شحوا علي كرامُ »

كاتب و روائي - الدمام