آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

جولة كيري.. نسمع جعجعة ولا نـرى طحنا

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

الهدف المعلن للجولة المكوكية لوزيـر الخارجية الأمريكية جون كيري في المنطقة، والتي شملت إسرائيل والأردن والضفة الغربية المحتلة، هو إعادة تحريك مفاوضات السلام الإسرائيلية ــ الفلسطينية المتوقفة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والذي يعود في حقيقة الأمر إلى إصرار إسرائيل في مـد وتوسيع نشاطها الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى وجه الخصوص في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ناهيك عن فرض شروطها وإملاءاتها على الجانب الفلسطيني ومن بينها الاعتراف الفلسطيني والعربي المسبق بيهودية إسرائيل وعاصمتها القدس الموحدة، وذلك قبل الدخول في أية مفاوضات سلام..

السؤال هنا: لماذا هذا التوجه الأمريكي الآن وفي هذا التوقيت بالتحديد، ومع معرفة طبيعة ومواقف الحكومة اليمينية الاتلافية التي يقودها بنيامين نتنياهو المتصلبة في موضوع الاستيطان وإزاء عملية السلام بشكل عام، وبالتالي ما هي المعطيات المستجدة والجدية على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي بشكل خاص وفي الوضعين العربي والإقليمي بشكل عام التي تدفع باتجاه إحياء المفاوضات الميتة منذ سنوات؟..

في مستهل رئاسته الأولى العام 2009 وإبان جولته الشرق أوسطية سعى أوباما في خطابه في جامعة القاهرة وكذلك خطابه في تركيا إلى تحسين صورة الولايات المتحددة التي أصابها العطب الشديد في عهد الإدارة الأمريكية السابقة، حيث ركز على إظهار تمايـزه عن سياسة سلفه الرئيس السابق جورج بوش الابن في تعاطيه الإيجابي مع القضايا الرئيسية والحساسة في المنطقة ومن بينها القضية الفلسطينية حيث أكد تبنيه لخيار الدولتين كما أوضح رفضه الحازم لاستمرار سياسة الاستيطان الصهيونية في الأراضي المحتلة، وقد كان للخطابين صدى إيجابي لدى الدول والشعوب العربية والإسلامية بوجه عام، التي تطلعت إلى تغيير في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، وبدون أية أوهام بأن ذلك سيكون على حساب مصالح إسرائيل أو تجاهل طبيعة العلاقات الأمريكية / الإسرائلية والتي وصفها أوباما نفسه في خطابه بالعلاقات الإستراتيجية الخاصة، مؤكدا على التزام الإدارة الأمريكية كسابقاتها بالدعم الكامل لإسرائيل وضمان أمنها وتفوقها المطلق في المنطقة، حيث مثلت إسرائيل ومنذ بدايات الحرب الباردة وحتى الآن قاعدة استراتيجية متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية في هذا الجزء الحيوي من العالم حيث النفط والأسواق والموقع الإستراتيجي المتميز..

التطلع العربي كان باتجاه سياسة أمريكية أكثر توازنا إزاء قضايا الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، وتلبية الحقوق الفلسطينية العادلة، وفقا لقـرارات الشرعية الدولية ومن بينها القـرار 181 الصادر في عام 1947 بشأن الدولة الفلسطينية، والقـراران 242 و338 اللذان ينصان على جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة في يونيو / حزيران 1967، واللذان يتضمنان حق تقريـر المصير للشعب الفلسطيني بما في ذلك إقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية، مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفقا للقـرار 194..

بعد مضى أكثر من أربع سنوات على خطاب أوباما الذي وصف بالتاريخي، لم يحدث أي تقدم حقيقي على صعيد إقـرار الحقوق الفلسطينة، ووصلت المفاوضات الفلسطينية / الإسرائيلية تحت الرعاية الأمريكية إلى طريق مسدود، بفعل التعنت الإسرائيلي وإصرارها على تمريـر شروطها وإملاءاتها وفـرض سياسة الأمر الواقع على الجانب الفلسطيني، وكل ذلك تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية والتي من بينها استمرار سياسة الحصار وفرض الجدار العنصري والطرق الالتفافية، ومصادرة الأراضي وتجريف المـزارع، والمضي في عمليات القمع الممنهج من قتل واعتقال بحق الآلاف من الشعب الفلسطيني، والإصرار على سياسة مـد وتوسيع رقعة الاستيطان في الضفة الغربية ونطاق مدينة القدس الشرقية.

وفقا لتقريـر إسرائيلي صادر عن معهد الأبحاث التطبيقية القدس ــ أريج، إن مجموع ما استولت عليه إسرائيل بذرائع ومسوغات مختلفة يزيـد على 40 بالمئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، وهذا الرقم لا يشمل الأوامر العسكرية التي أصدرتها إسرائيل لبناء الجدار الفاصل ولا تلك الخاصة بشق الطرق الالتفافية، ناهيك عن أن العديد من المستوطنات الاسرائيلية قامت على أراضٍ فلسطينية خاصة وهذه المساحات غيـر مشمولة بالـ 40 بالمئة المذكورة.

وبحسب ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية فإن أكثر من 1.4 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وشرقي القدس المحتلة، من بينهم أكثر من مليون نسمة في الضفة الغربية، فيما يعيش نحو 700 ألف مستوطن صهيوني بالمنطقة ذاتها منهم 385 ألف بالضفة و300 آخـرون بالقدس، مشيرة إلى أن تعداد السكان العرب والمحتلين الصهاينة في شرقي المدينة المقدسة أصبح متساويـا نسبيا لأول مرة.

وفي داخل الخط الأخضر «إسرائيل» يجـري العمل على تنفيذ «مشروع بـرافـر» والذي يتضمن مصادرة أكثر من 700 ألف دونم من أراضي المواطنين العرب في النقب، وتهجير أكثر من 40 ألف منهم..

هذه الحقائق الدامغة تؤكد عدم جدية إسرائيل في مفاوضات حقيقية تفضي إلى تنفيذ قـرارات الشرعية الدولية.. أقصى ما يمكن أن تقبل به إسرائيل هو قيام كيان فلسطيني منزوع السلاح، ومحدود السيادة، ومقطع الأوصال، مع ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية ومبادلتها بأراضٍ في صحراء النقب «وهو ما يفسر سياسة مصادرة الأراضي الفلسطينية في النقب وتهجير سكانها العرب»..

الجديـر بالذكر بأن وزراء الخارجية العرب طرحوا في اجتماعهم في نيويورك مع وزيـر الخارجية الأمريكي جون كيري إمكانية «مبادلة أراضٍ» في أية تسوية. الجانب الإسرائيلي «المدعوم أمريكيا» هو الطرف الأقوي في أية مفاوضات قادمة، بينما الطرف الفلسطيني هو الأضعف على كل الأصعدة، وخصوصا في ظل الانقسام الفلسطيني الحاد وغياب الوحدة الوطنية الداخلية المستندة إلى برنامج وطني موحد، كما أن دور الشعوب العربية والنظام العربي الرسمي، سيكون بالضرورة غائبا أو باهتا نظـرا لحال الشلل والضعف والانقسام الذي يعتريـه، وذلك لانغماسه في مشكلاته وأزماته الداخلية أو البينية المستعصية.