آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

سوريا بين خياري التقسيم والفيدراليّة

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

من الواضح تماما بأن جميع الخيارات باتت مفتوحة في سوريا التي تعيش منذ أكثر من سنتين صراعا داميا وحربا أهلية طاحنة لها امتداداتها وتشابكاتها الإقليمية والدولية.. والذي أسهم في إشعالها وقبل كل شيء القمع الدموي لنظام الأسد ولجوئه منذ البداية للحلول الأمنية من قتل واعتقال وتعذيب الأمر الذي طال عشرات الآلاف من السوريين المشاركين في الحراك السلمي للشعب السوري منذ انتفاضته في مارس 2011، وصم الآذان عن سماع وتحقيق مطالبه العادلة والمشروعة في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، وذلك على غرار شعوب بلدان «الربيع العربي» التي انتفضت ضد أنظمة الفساد والاستبداد..

منحى الصراع الدامي في سوريا أودى بحياة أكثر من 100 ألف قتيل إلى جانب عشرات الآلاف من المعتقلين، وملايين المشردين في الداخل والخارج، ناهيك عن تدمير شبه كامل للبنية التحية والمنشآت الصناعية والسكنية والصحية والتعليمية في مئات المدن والبلدات والقرى السورية، وتلك الأرقام مرشحة للزيادة باستمرار في ظل استمرار وتفاقم حدة الصراع الداخلي.

وقد تمثلت القوة العسكرية الضاربة المناهضة للنظام الحاكم في الجيش السوري الحر الذي تشكل أساسا من جنود وضباط منشقين على النظام الحاكم، غير أنه في مجرى استمرار الصراع العسكري وغياب أي أفق للحلول السياسية / السلمية، أخذت تنجذب وتنخرط في هذا الصراع وعلى نحو متزايد مجموعات «جهادية» أممية تتسم غالبيتها بالتطرف والتكفير ولها أجندتها الخاصة التي تتعارض مع مصالح غالبية الشعب السوري ونخبه السياسية والفكرية والمدنية وتطلعاتهم نحو الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات والذي لن يتأتى إلا من خلال إقامة دولة مدنية، في حين تتمثل أجندات المجموعات «الجهادية» في إقامة «الخلافة» أو «الدولة» أو «الإمارة» الإسلامية..

المجموعات المتطرفة والمسلحة والمدربة والممولة بشكل جيد من الخارج تشكلت بالعشرات وتحت مسميات مختلفة ومن أبرزها «جبهة النصرة» و«دولة العراق والشام الإسلامية» حيث أخذت تتصدر المواجهة العسكرية المناهضة للنظام وذلك على حساب الجيش السوري الحر، وفي موازاة ذلك فرضت رؤيتها ومتبنياتها الايديولوجية والعقدية التي تتسم بالإقصاء والرفض للآخر المختلف، مما جعلها تدخل في صراع حامي الوطيس مع مكونات المعارضة السياسية والعسكرية الأخرى في الداخل والخارج على غرار معاركها مع تشكيلات الجيش السوري الحر، والحركة الكردية المسلحة، ومحاولة فرض قيمها وسيطرتها المتشددة على المجتمع السوري بمكوناته المختلفة والذي جبل على مدى آلاف السنين على العيش والقبول والتسامح المشترك بين طوائفه ومذاهبه وأعراقه..

وذلك من خلال تأجيج النزعات والصراعات الدموية الطائفية والمذهبية، والقتل على الهوية، وبث لقطات مقرفة ووحشية لرؤوس تقطع وأكباد تؤكل ولأشخاص يلقى بهم أحياء من أسطح العمارات، ولأطفال يعدمون بدماء باردة، وذلك تحت مسوغ تنفيذ الحكم «الشرعي»، بل ووصل الصراع الدامي إلى داخل تلك المجموعات وما بين أمرائها المتنافسين على الغنائم والخوات والحواجز والمربعات الأمنية..

تلك الحقائق أكدها وحذر من عواقبها العديد من قادة المعارضة السياسية والعسكرية في الداخل والخارج السوري. في ظل استمرار الصراع الدموي وعدم قدرة أي من الأطراف المتصارعة، على حسم الصراع لصالحها، ويستوي في ذلك قوات النظام والمليشيات الحليفة له من جهة، والجيش الحر والتشكيلات العسكرية المعارضة من جهة أخرى..

تعددت التسميات في توصيف ما يجري في سوريا، ما بين «اللبننة» على غرار الحرب الأهلية في لبنان «1975 1990» والتي انتهت باتفاق الطائف وفقا لصيغة لا غالب ولا مغلوب، أو «الصوملة» حيث التفتيت الفعلي لأرض الصومال ما بين القوى القبلية والعرقية والجماعات التكفيرية المتصارعة أو «العرقنة» بمعنى الحفاظ الشكلي على دولة اتحادية «فيدرالية» هشة وفاشلة سياسيا واقتصاديا «رغم الثروات النفطية الهائلة» واجتماعيا، وتنخرها الصراعات والتجاذبات الطائفية «سنة  شيعة» والعرقية «عرب، كرد، آشور، كلدان»، أم هي «السودنة» بمعنى انشطار وانقسام الدولة «شمال  جنوب». وبروز ولايات متمردة على الحكم المركزي الاستبدادي مثل كردفان وغيرها..

لكن البعض الآخر يطرح مصطلح «السورنة» والذي هو مزيج لبعض السمات والمظاهر السابقة ولكن بنكهة سورية خاصة، هي حرب الجميع ضد الجميع أو المأكلة الكبرى وفقا للفيلسوف هوبز «القرن السابع عشر»، هي حرب داخلية مركبة بامتياز، حرب يتداخل فيها السياسي، العسكري، الطائفي، المذهبي والعرقي..

وفي الوقت ذاته هي حرب إقليمية ودولية بالوكالة.. ضمن هذا السياق المضطرب والخطر توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق نهائي على عقد مفاوضات «جنيف 2» في القريب العاجل، غير أنه لم يتحدد حتى الآن جدول للأعمال أو الأطراف المشاركة.

الجديد هنا هو موقف حزب الاتحاد الديمقراطي «كردي» في سوريا والذي يقاتل جناحه العسكري والوحدات الشعبية من أجل طرد «جماعة النصرة» ومقاتلي ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» من المناطق الكردية في غرب سوريا والمتاخمة لتركيا، حيث أعلن صالح مسلم رئيس الحزب عن العزم على تشكيل إدارة مدنية انتقالية في المناطق الكردية.

صعود الدور الكردي في سوريا سيفرض مشاركتهم بقوة في أية مفاوضات سياسية قادمة سواء بشكل مستقل أو كطرف رئيس، كما سيفرض مفاعيله العسكرية على الأرض وخصوصا في مواجهة مقاتلي جبهة النصرة، ودولة العراق والشام الإسلامية. من الصعب التكهن بمستقبل سوريا لكنها في جميع الحالات لن تكون سوريا التي نعرفها.