آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

القوى الاصلاحية الجديدة في المملكة «5»

محمد الشيوخ *

4 - ائتلاف الحرية والعدالة

بعد عام تقريباً من الاحتجاجات والتظاهرات الشبابية التي حدثت في المنطقة الشرقية 2011 م، أعلنت «حركة خلاص» السعودية عن تأسيس ائتلاف الحرية والعدالة. ويتكون الائتلاف من قوى شبابية معارضة للنظام الحاكم من الداخل، تؤمن بخيار الشارع كسبيل وحيد لتغيير النظام أو إرغامه على القبول بالإصلاحات. تشكّلت هذه القوى على وقع الاحتجاجات، وهي متنوّعة الاتجاهات الفكرية والسّياسية. القاسم المشترك الذي جمع هؤلاء الشباب هو التظاهرات.

وذكر بيان للحركة أنّ هذا الائتلاف يكون استجابة للمسؤولية الشرعية والا‌جتماعية في الدفاع عن الحقوق والكرامة المنتهكة للشعب السعودي من قبل حكومة الرياض، حسب تعبيره. مضيفاً أنّ أهداف الائتلاف تطمح لإنهاء ما وصفه بحقبة الطغيان السعودي وكسر قيود القهر والإذلا‌ل ومرارة العيش طوال قرن من الزمان تحت حكم آل سعود حسب البيان. وتعهّدت الحركة ببذل الجهود لتحقيق الأهداف والمطالبة بالعدالة التي نهض واستشهد واعتقل من أجلها الثّوار السّعوديون.

لأنّ حركة خلاص، هي الحركة المعارضة الأقوى في الخارج، التي تؤمن بخيار الشارع كسبيل للتغير، لذا كان لها قصب السبق في المبادرة بتكوين هذا الائتلاف الذي يضمّ مجاميع شبابية متأثّرة بثورات الربيع العربي، من مختلف مدن وقرى محافظة القطيف. لا توجد إحصاءات تقدّر حجم هذا الائتلاف، إلا أنّ الاعتقاد السائد محلّيًّا بأنّ هذا الائتلاف هو التشكيل الأقوى في تحريك التظاهرات في القطيف. كما يوجد لهذا الائتلاف صفحات على الفيس بوك، وينشط أعضاؤه في مواقع التواصل الاجتماعي، كما يصدر بيانات مندّدة بسياسات بشكل دائم، وبطبيعة الحال، فإنّ الحركة المؤسِّسة لهذا التشكيل، هي الموجّه الدائم لمجاميعه.

يشار إلى أنّ أعضاء هذا الائتلاف لا يتبنون بالضرورة ذات الرؤى السّياسية التي تتبنّاها حركة خلاص. القاسم المشترك بين هذه المجاميع، هو الاستمرار في حركة الاحتجاجات حتى تحقيق المطالب المتعلّقة بتعزيز الحريات، والإفراج عن المعتقلين، ومعالجة التمييز الطائفي، وغيرها من المطالب المتعارف عليها شعبيًّا.

5 - نشطاء الإعلام الجديد

الإعلام الجديد، الذي يختلف اختلافاً كلّيًّا عن الإعلام التقليدي، برز في ظلّ أدوات ووسائل الاتصال الحديثة خصوصاً المرتبطة بالإنترنت كالفيس بوك وتويتر واليوتيوب، ومواقع الصوّر وغيرها من برامج التواصل الاجتماعي. وقد مكّنت هذه الوسائط الجديدة شرائح واسعة من الناس، خصوصاً الشّباب، للتواصل الفعّال فيما بينها.

وقد لعبت هذه الوسائل دوراً محوريًّا في الربيع العربي، على صعيد التواصل بين المتظاهرين، وفضح الأنظمة وتعرية سياساتها الوحشية، وإيصال مطالب الجماهير الثائرة إلى العالم، ونقل الحراك الشعبي لحظة بلحظة. وما يميّز الإعلام الجديد، أنه أصبح متاحاً لجميع شرائح المجتمع، ويتمكّن الفرد من التواصل الفوري والمباشر مع الآخر مهما بعدت المسافات واختلفت اللغات، كما أنّه بات الوسيلة الأكثر شيوعاً في التواصل الاجتماعي ونقل الآراء والتعبير عن الأفكار بدون قيود ورقابة ومحدّدات. ولا يوجد تعريفٌ علميٌّ محدّدٌ حتى حينه يحدّد مفهوم الإعلام الجديد بدقّة، إلا أنّ للإعلام الجديد مرادفات عدّة، منها: الإعلام البديل، والإعلام الاجتماعي، وصحافة المواطن، ومواقع التواصل الاجتماعي.

إنّ الأدوات التي تمكّن الفرد للولوج في هذا العالم ليست معقّدة، بل أضحت متاحة لمعظم الناس، وبالتالي يمكن لكلّ فرد أن يتحوّل، إذا ما توفّرت لديه تلك الأدوات، إلى وسيلة إعلامية نشطة ومؤثرة. وللوصول إلى هذه الغاية، فإنّ الفرد بحاجة إلى جهاز إلكتروني «حاسب آلي، هاتف ذكي، جهاز لوحي»، وتوفّر شبكة الإنترنت، مضافاً إلى الانضمام لإحدى مواقع التواصل الاجتماعي كـ الفيس بوك، وتويتر، واليوتيوب، والمدوّنات، وغيرها من المواقع الاجتماعية الإلكترونية النشطة التي تشكّل ثقلاً في العالم الافتراضي [1] .

وتعتبر السعودية من أكثر الدول العربية حضانة للتقنية، وشبابها الذين يمثّلون نسبة تصل إلى 60% من السكّان للفئة ما دون الثلاثين، يعتبرون أيضاً من أكثر المستفيدين من هذه التقنية بصورها المختلفة. ويقدّر عدد مستخدمي الفيس بوك في السعودية بأنّه قد تجاوز الثلاثة ملايين مستخدم، وأنّ 75% منهم بين سنّ الخامسة عشرة والتاسعة والعشرين، في حين أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة حالياً يقدّر بنحو 13 مليون مستخدم «يقدّر عدد السعوديين بـ 26 مليوناً تقريباً». وكشفت دراسات أنّ أحاديث 54% من المراهقين على إحدى الشبكات الاجتماعية تطرّقت إلى موضوعات تُعدّ من المحظورات في نظر المجتمع، وتتناول قضايا سياسية وفكرية ودينية.

وأصبح الشّاب السعودي اليوم فاعلاً في هذه الشبكات الاجتماعية، وصار يعبّر عن آلامه وطموحات ورغباته وتطلّعاته بكلّ جرأة وشفافية. ومن خلال الإعلام الجديد، يتمّ عرض مقاطع فيديو مصوّرة من أرض الواقع وتبث على قناة «يوتيوب». كما يتمّ أيضاً إعداد برامج فيديو قصيرة، عبارة عن متابعات لأبرز القضايا والأحداث، كمسائل الفساد المالي، الواسطة، وضع المرأة، البطالة بين الشباب، حالات الفقر، أزمة الإسكان، سرقة الأراضي، والتعليق عليها بصورة كوميدية تجذب اهتمام ومتابعة المشاهدين، وتوصل لهم رسائل إصلاحية غير مباشرة. وتنال هذه البرامج والمقاطع القصيرة مشاهدة عالية وتداولاً بين المواطنين بصورة ملحوظة.

ويبدو أنّ الفيس بوك، هو أبرز وسيلة للتواصل والتشكّل الجمعي من خلال الدعوات التضامنية، سواء في أبعادها المدنية أو السياسية، حيث تُطلق مبادرات لحملات جماعية حول مواجهة الطائفية مثلاً، أو التضامن مع معتقلي الرأي، والدعوة للتجمّعات والحوارات الشبابية حول القرارات الحكومية ومآلاتها، وتبادل المعلومات حول مختلف القضايا والمواقف السّياسية. كما ينظّم الشباب أيضاً حملات التضامن من خلال «فيسبوك» لمواضيع وأحداث عدّة تشمل تمكين المرأة، والخدمات الإنسانية وتبادل التقارير الإخبارية، وتنظيم التضامن، كما حدث في أثناء كارثة سيول جدة.

أمّا موقع «تويتر» فقد تحوّل إلى ساحة حوار وجدل حقيقيين في مختلف القضايا السّياسية والدينية والاجتماعية، حيث إنّ مرتاديه من الشباب يتابعون بصورة مستمرّة تغريدات الشّخصيات الدينية والسّياسية ويبدون مشاركاتهم وردودهم عليها. إضافة إلى ذلك، ينظّم الناشطون من الشباب السعودي حملات من تغريدات التضامن، في أوقات محدّدة، مع سجناء رأي أو موقوفين، بهدف الضغط للإفراج عنهم. كما تتمّ أيضاً إعادة إرسال التغريدات الجدلية المثيرة بصورة كبيرة، وخاصّة تلك التي تتعلّق بقضايا الفساد الإداري المالي.

وقد تمّ تدشين حملات تضامن مع موقوفين، أبرزهم: محمد البجادي، والشيخ يوسف الأحمد، ونذير الماجد، وهم من اتجاهات سياسية ومذهبية مختلفة، شارك فيها الشباب من مختلف المناطق، مطالبين بمحاكمتهم أو بالإفراج عنهم"[2] . ويرى عضو مركز آفاق للدراسات والبحوث، الكاتب حسين زين الدين، أنّ الإعلام الجديد مكّن المواطنين من التعبير في فضائه بما يؤمنون به من قيم وأفكار ومعتقدات، ووفق ما لديهم من رقابة ذاتية وبعيداً عن رقابة السّلطة، بالإضافة إلى تمتّعه بقبول ومتابعة جيل نشأ في ظلّ متغيّرات سياسية واجتماعية، وتطوّرات فكرية وثقافية، مما مكّّّنهم الدخول في اللعبة الإعلامية كلاعبين جدد.

ولبيان تأثيرات الإعلام الجديد على ثقافة المجتمع السعودي، أجرى زين الدين حواراً في 11/2/2013م، مع مجموعة من الشباب المهتمّين والمنشغلين بالإعلام الجديد، تحت عنوان «الإعلام الجديد من الانفتاح إلى الحرية»، تم نشره في موقع مركز آفاق. ومن بين الشباب الناشطين في هذا الحقل الذين جرى استنطاقهم حول هذا الموضوع، الشاب مهدي الزاهر، حيث يرى أنّ الإعلام الجديد أعطى الناس حرية التعبير، والصدح بهمومهم، كما استطاع كسر حواجز الرقابة، وتسليط الضوء على الفساد بكلّ صنوفه، سواء في المجتمع أو الدولة.

موضّحاً أنّ كلّ شخص باستطاعته أن يكون قناة ذاتية تبثّ أفكارها، ذاكراً أننا أصبحنا مع الإعلام الجديد مراسلين لمجتمعاتنا حول العالم بأكمله. كما أشار الزاهر إلى أنّ الإعلام الجديد كشف زيف الإعلام التقليدي وما يمارسه من تضليل إعلامي، فالكلّ يرى القصور والضعف الذي تعانيه وسائل الإعلام التقليدي والحيوية التي تحقّقها وسائل الإعلام الجديد، سواءً الأفراد أو المجتمع وغيره من قضايا يدار كأحجار الدينامو بيد الدول. مشيراً أنّ الإعلام الجديد بات كمضادّ حيوي لمقاومة تلك الأمراض.

فيما ذهب الشاب أحمد الشرواني بالقول: إنّ الإعلام الجديد أصبح منبراً، مكّننا - نحن العرب والخليجيين - على حدّ سواء، من الكلام والصّراخ والتعبير عن الألم والوجع، معتبراً أنّه كالشّرارة الذي أوقد الربيع العربي والبؤرة الذي انطلق منها الثوار إلى الشوارع لإسقاط أوثان كان الحديث عن زوالها ضرباً من الجنون.

وأردف الشرواني قائلاً: من هذا المنبر غير المحكوم سوى بقبضة العولمة التي لا تؤمن بالأستار بل تروم هتكها تَقوّض لدينا تاريخ جديد، وبوادر حكمة جديدة، وعقل بدأ يستفزّه الغبار المنبعث من حياة منهكة بالهزيمة والاستبداد، متسائلاً: ما الذي على المرء أن يفعله كي يسخّر الإعلام الجديد في سبيل الحرية والنهضة؟

وأشارت الشابة إيناس السميري إلى أنّ الإعلام الجديد غيّر مفاهيم الإعلام التي كانت قائمة سلفاً؛ حيث أنّ نظريات الإعلام وتأثيره على الجمهور تغيّرت جذريًّا، فلم يعد هناك حارس للبوابة أو تحكّم بالتدفّق، مضيفة أن الجمهور تحوّل من خلال الإعلام الجديد إلى متلقٍّ/ مرسل، وليست مسألة اختيارية، بل دور حتميّ يمارسه الإنسان.

ويرى الشّاب محمود الشرقاوي أنّ الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرّد وسائل للتواصل والمعرفة، وإنما أضحت إحدى مفردات الثقافة وأحد المكونات الأساسية للحالتين الاجتماعية والسيكولوجية. مشيراً إلى أنّ الإعلام الجديد ليس مجرّد إعلام أو تواصل، وإنما هو نمط من أنماط الحياة له لغته الجديدة وإيقاعه الجديد وصوره الافتراضية الموازية لكلّ عناصر الواقع [3] .

[1]  ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
[2]  الشايب، جعفر، الحراك الإصلاحي في السعودية «مِن النخب إلى الشباب»، صحيفة السفير اللبنانية، 2012 م.
[3]  زين الدين، حسين، الإعلام الجديد من الانفتاح إلى الحرية، مركز آفاق للبحوث والدراسات، 2013 م.
باحث في علم الاجتماع السياسي