آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

القوى الاصلاحية الجديدة في المملكة «6»

محمد الشيوخ *

6 - الحراك النسوي

من خلال مسيرة الحراك النسوي الذي أخذ أشكالاً جديدة بعد ثورات الربيع العربي في السعودية، يمكن أن نلحظ أنّه يسير في اتجاهين رئيسين:

الأول: ينحو باتجاه تحسين مكانة وحقوق المرأة في المجتمع، خصوصاً في المسائل المتعارف عليها إنسانيًّا، كحقّها في قيادة السيارة، والعمل والمشاركة الفاعلة في المنتديات والسياحة والسفر، ومساواتها بالرجل، وحمايتها من مختلف أشكال العنف، ومعالجة النظرة الدونية، النابعة من غياب الأُطُر والقوانين الحامية لها، وسيادة النزعة الذكورية، ورسوخ الثقافة التي تكرّس الدونية والوصايا على المرأة.

الثاني: ينحو باتجاه الاصلاحات العامّة في المملكة، كالتطلّع إلى المشاركة السّياسية، وعدم إقصائها عن قضايا الشأن العام، ومكافحة الفساد المالي والإداري، والدعوة إلى تعزيز الحريات، واحترام حقوق الإنسان، والتطلّع إلى ملكية دستورية، ونظام قضائي مستقلّ، وغيرها من الإصلاحات السّياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يتطلّع إليها نظيرها الرجل.

مع ذلك، فإنّه حينما يتمّ الحديث عن واقع المرأة، وضرورة إصلاحه وتطويره في المملكة، بحسب المفكّر السعودي محمد المحفوظ، ينتقل النقاش والحوار إلى حدّين أساسيين:

الحدّ الأول يتعامل مع الدعوة إلى إصلاح أوضاع المرأة، وكأنها دعوة تستهدف بالدرجة الأولى تشجيع المرأة إلى التفلّت من القيم والثوابت، وانخراطها في ممارسات وسلوكيات لا تنسجم وثوابت المجتمع والوطن. والحدّ الآخر يدفع باتجاه أنّ واقع المرأة الحالي، يعيش أزهى صوره وعصوره، وإنّ كلّ ما تحتاجه وتطلبه المرأة قد تحقّق، وإنّ هذه الدعوات أشبه ما تكون بعملية الحرث في البحر.. ولا يكتفي أصحاب هذا الرأي وهذا الحدّ بهذا التوصيف، وإنما يندفعون بصورة شوفينية إلى الحديث عن الظلامات والمآزق التي تعيشها المرأة في المجتمعات والثقافات الأخرى. والسعادة الأبدية التي تعيشها المرأة في مجتمعنا؛ لأنّ كلّ ما تطلبه قد تحقّق إليها.

وفي تقدير المحفوظ فإنّ كلا المقولتين، تساهم في تزييف واقع وطموحات وتطلّعات المرأة في مجتمعنا.. فالدعوة إلى إصلاح وتطوير واقع المرأة في مجتمعنا، ليست دعوة إلى التفلّت من القيم والثوابت، واتّهام أيّ دعوة إصلاحية بهذه التهمة، يساهم في تضييع حقوق المرأة المختلفة، كما أنه يضيع على المجتمع والمرأة، فرصة أن تنخرط المرأة في شؤون البناء والتنمية على نحو فعّال وحيوي.

كما أنّ واقع المرأة الحالي، ليس مثاليًّا، ويتطلّب القيام بالعديد من الخطوات لإصلاحه وتطويره في مجالات الحياة المختلفة.. فالواقع النسوي في مجتمعنا، يتطلّب الإصلاح والتطوير. وعمليات التنشئة والتعليم الحديث الذي تعرّضت إليه المرأة في مجتمعنا خلال العقود الماضية، لن تؤتي ثمارها الإيجابية إلا بالاستمرار في خيار الإصلاح والتطوير[1] .

مع وجود جملة من التحدّيات والعوائق أمام الحركة النسوية في المجتمع السعودي، ومن بينها ما أشار إليه المحفوظ، لكن هذا لا ينفي بحالٍ من الأحوال وجود أصوات إصلاحية مُستنيرة تؤازر حركة المرأة في مساعيها، رغم كلّ العوائق والصعوبات.

وكان لافتاً بعد الربع العربي قيام المرأة السعودية بتنظيم سلسلة من التظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية في مختلف محافظات ومدن المملكة، وهو دور لم يكن مألوفاً في الساحة السعودية، إلا في حدود متواضعة جدًّا. كما أنّ هذا الحراك النسوي الجديد، الذي حاولت من خلال المرأة شحذ همم الرجال واستنهاضهم للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين والضغط على النظام للقيام بإصلاحات عامّة، هو في حقيقة الأمر يضع حدًّا لذلك النقاش الذي لا زال يرى المرأة وكأنها كائن ضعيف وغير مؤثّر.

زِد على تصدّي المرأة لحركة التظاهرات والاعتصامات، مطالبتها الجريئة بحقوقها، ومن بينها حقّ قيادة السيارة، واستعدادها إلى التضحية لتحقيقها، كلّ ذلك بعث برسالة واضحة للمجتمع مؤدّاها: إنّ المرأة السعودية قد تكون هي المحرّك الأقوى لأيّ ثورة قادمة في المملكة. إنّ حركة الاحتجاجات المنظمة التي قادتها المرأة في المملكة، رغم أنّها متقطّعة وليست واسعة وقوية، لكنها استطاعت إيصال ما تريد تحقيقه من هذا الحراك. لقد كانت حركة المرأة تستهدف في الأساس المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السّياسيين، إلى جانب تحسين واقعها الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً الموظّفات، وكذلك المطالبة بحقوقها كإنسانة وكمواطنة سعودية لها كافّة الحقوق التي يطالب بها الرجال.

صحيح أنّ الحراك النسوي في الوقت الراهن في المملكة، تتصدّره نساء سعوديات واعدات يتمتّعن بالجرأة الكبيرة وبحسّ قيادي راقٍ، ويمثلن جميع التوجّهات المختلفة في المجتمع، كما وينحدرن من مختلف مناطق المملكة، أمثال: منال الشريف، وجيهة الحويدر، سمر بدوي، عالية فريد، ونسيمة السادة، وغيرهنّ كثيرات، إلا أنهنّ لسن الوحيدات في المجتمع. فهناك جيل من الفتيات الشابات الناشطات بدأن في البروز مؤخّراً، وهنّ يلعبن اليوم دوراً رياديًّا على صعيد المطالبة بتحسين واقعهنّ إلى جانب الدعوة إلى الإصلاحات العامّة.

بَيْدَ أنّ الحراك النسوي في السعودية لم ينحصر في علمية تنظيم حركة المظاهرات والاعتصامات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين إلى جانب الدعوة إلى الاصلاحات، بعد الربيع العربي، أو تقديم المبادرات الذاتية التي تستهدف تحسين واقعها، بشكل منفرد، قبل الربيع العربي، وإنما حرصت على أن تكون شريكاً حقيقيًّا مع الرجل في عملية المطالبة بالإصلاحات في المملكة بزمن ليس بقصير. فهناك مثلاً العديد من البيانات والعرائض الإصلاحية التي قدّمت لصانع القرار في المملكة، سواء قبل ثورات الربيع العربي أو بعدها، تضمّنت المئات من الأسماء النسوية الجديدة.

وبهذا النوع من المشاركة، أرادت المرأة السعودية القول بأنّها لا تختلف عن الرجل في هذا الهمّ الوطني العام، مما يترتّب على هذا الفعل اجتماعيًّا وسياسيًّا، إعادة النظر في طريقة التعاطي مع المرأة، إذ لم تعد كائنا تابعاً وضعيفاً ولا همّ لها في الشأن العام.

أمّا عن قيادة التظاهرات وحركة الاعتصامات، مضافاً إلى بعض المبادرات باتجاه تحسين واقعها وتحصيل حقوقها، بشكل منفرد عن الرجال، فإنّ الرسالة التي أرادت إيصالها للمجتمع بشكل واضح، هي: إنّ المرأة السعودية اليوم ليست بحاجة إلى مساندة الرجل في تحصيل حقوقها، كما أنّ لديها القدرة على قيادة حركة الإصلاح في المملكة، بمعزل عن مساعدة نظيرها الرجل. لذلك، فإنّ العديد من الدراسيين لسلوك المرأة السياسي/ الاجتماعي الجديد في المملكة، يتوقّعون أن تكون هي واحد من أهمّ عناصر القوة الجديدة الصاعدة في المجتمع السعودي.

[1]  المحفوظ، محمد، في ذكرى مولد السيدة الزهراء ، المرأة قوة التغيير القادمة، صحيفة جهينة الإخبارية، 2013 م.
باحث في علم الاجتماع السياسي