آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

شاكـر الشـيخ.. الغائب الحاضر

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

نظمت جمعية الثقافة والفنون بالأحساء في مساء الأربعاء 14 من شهر أغسطس الجاري، ليلة الوفاء للشاعر والفنان والإعلامي الكبير الأستاذ شاكر الشيخ «أبو بدر» الذي رحل قبل عامين ونيف، عن عمر ناهز الثالثة والستين.. وكان لغيابه المفاجئ وقع الصاعقة على عائلته وأصدقائه وزملائه في الوسط الثقافي والإبداعي والصحافي الذين عرفوه عن قرب، أو زاملوه واحتكوا معه عبر تجاربه وإسهاماته المتعددة في حقول الصحافة والثقافة والشعر، ومن خلال محطات حياته الحافلة والغنية على صعيد الحراك الثقافي والفني في المنطقة الشرقية، والتي تبوأ فيها مناصب حساسة ومؤثرة، ومثل على مدى عقود من الزمن جزءا فاعلا ومؤثرا بل وقياديا ضمن نسيجها الثقافي والإبداعي والاجتماعي، وذلك منذ قدومه وهو في ريعان الشباب من مكة المكرمة حيث ولد وعاش سنواته الأولى فيها. كان لافتا في الاحتفائية التي جرت بقاعة الفنان والمخرج الراحل عبد الرحمن المريخي حضور عشرات الفنانين والكتاب والمثقفين من مختلف أرجاء الوطن، فضلا عن أصدقائه ومحبيه وأفراد عائلت والذين غصت بهم القاعة عن آخرها. قبل كل شيء يتعين الإشادة والتقدير لمبادرة جمعية الثقافة والفنون بالأحساء في تنظيم تلك الأمسية المؤثرة والحميمية لأحد رموز الفن والصحافة والشعر في بلادنا، كما هو المؤسس وأول رئيس لجمعية الثقافة والفنون بالأحساء.. اللوحة الشاملة أو البانوراما التي عرضت على شاشة المسرح، ومن على منصته تضمنت سيرة مركزة عن محطات حياته المهنية والإبداعية والشخصية، بما في ذلك قصائده الشعرية وألحانه الموسيقية، وكذلك شهادات زملائه ورفاق دربه الفني والمهني والإنساني ولبعض أفراد عائلته.. كما أصدرت جمعية الثقافة والفنون بالأحساء كتيبا خاصا بالمناسبة قامت بإعداده وإخراجه الأستاذة أميرة ابنة الصديق الفنان الكبير عبد الرحمن الحمد.. حضور ومشاركة رئيس إدارة الجمعية السعودية للثقافة والفنون الصديق العزيز الأستاذ سلطان البازعي «أبو بدر» في تلك الأمسية وتكريمه للفقيد الراحل «الذي عمل معه في جريدة اليوم حين كان البازعي رئيسا للتحرير فيها» وللعاملين في إدارة وإخراج أمسية الوفاء لاقى ارتياحا وتقديرا عاليا من الحضور والعاملين في المجالين الثقافي والفني.. الجدير بالذكر بأن فقيدنا الراحل تسلم إدارة التحريـر ومسؤولية رئاسة القسم الثقافي في جريدة اليوم كما كان مشرفا على إصدار ملحقها الأسبوعي، كما عمل لمدة عام ونيف رئيسا لتحرير مجلة الشرق الصادرة في الدمام، والتي عاشت بحق عصرها الذهبي تحت إدارته، واللافت أنه لم يتقاض ريالا واحدا طيلة فترة رئاسته للتحرير نظرا لظروفها المالية المتعثرة آنذاك.

في جريدة الشرق بصماته وتوجهاته الثقافية والفكرية الجادة المحتفية بالإبداع والفكر والفن والثقافة الوطنية والإنسانية كانت واضحة إبان رئاسته لجمعية الثقافة والفنون في الأحساء ثم جمعية الثقافة والفنون في الدمام، حيث أسهم مع أصدقائه في وضع اللبنات التأسيسية للفرق الموسيقية والمسرحية في المنطقة الشرقية، وذلك وسط مناخ وبيئة اجتماعية محافظة تعتبر الفن والموسيقى بدعة ورجسا من عمل الشيطان، يجب اجتنابه. إثر تقاعده اشتغل الراحل شاكر الشيخ على مشاريع عمل فنية وموسيقية وشعرية كما ترجم بعض القصائد من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.. وهو ما يتطلب من جمعية الثقافة والفنون العمل على جمع وطباعة وإخراج تلك الأعمال لترى النور. شاكر الشيخ كان يتطلع ويحلم ويعمل كغيره من الفنانين من أجل قيام «جمعية الفنانين والموسيقيين» في المملكة. وأنا أتسائل هنا: متى تزول تلك العقبات ويتحقق هذا الحلم؟ ومتى تشهد بلادنا وجود قاعات وصالات المسرح والسينما والموسيقى، حيث تعتبر معالم ثقافية وشواهد حضارية في البلدان المتقدمة؟ شاكر الشيخ كان ضمن مجموعة متميزة ومنحدرة من جميع أرجاء الوطن، ممن تمازجت أرواحهم، عواطفهم، ثقافتهم، أفكارهم، همومهم، وآمالهم وتطلعاتهم الوطنية والإنسانية، على الرغم من تباين منحدراتهم المناطقية والقبلية والمذهبية، وجسدوا ذلك في حراكهم الاجتماعي والوطني والإنساني العام وتحملوا في سبيل ذلك ما تحملوا من جهد وتضحية، كما تمثلوها في نتاجاتهم الثقافية والفكرية والإبداعية التي تمازجت بقيم الخير والحرية والعدل والجمال، والعمل على تخليق قيم وطنية / ثقافية عابرة للهويات التقليدية الفرعية.. تلك الثلة القليلة والصغيرة في عددها، والكثيرة والكبيرة في آمالها وتطلعاتها سواء في المنطقة الشرقية أو في عموم ربوع الوطن ظلت صامدة على الرغم من الرياح الصفراء السموم، وما شهدته بلادنا ومنطقتنا العربية من تكالب للفكر الظلامي ولقوى ومجاميـع التطرف والإرهاب والتكفير والإقصاء، ناهيك عن بروز ظاهرة العصبيات والفتن القبلية والمناطقية والمذهبية من كل حدب وصوب، والتي جرفت معها بعض الناس والعقول، ومن بينهم كثرة من المثقفين، إلى أتونها المدمر.. فقيدنا الراحل لم يخف أبدا انحيازه للوطن وللإنسان البسيط، وللفكر التنويري والإنساني الممزوج بروحه الملتزمة بصدق بقضايا الوطن والإنسان، وكان التزامه

«السارتري» شفيفا وهادئا ولم يكن على حساب الشاعرية والجمالية التي تتمثل الوطن والإنسان وتتغزل وتتغنى بالمرأة ككيان إنساني وكمعشوقة تشكل توأمه الروحي والوجداني، كما أن التزامه لم يجعله منكفئا أو ممارسا لسياسة الإقصاء إزاء الآخر المختلف بل كان منفتحا على الأفكار والاتجاهات الفكرية والثقافية المتعددة.. يا أبا بدر، إن غبت جسدا فإن حضورك وعطاءك الجميل، وسيرتك العطرة لم تغب ولن تغيب لدى محبيك وزملائك ومجايليك وتلامذتك الكثر على امتداد أرجاء الوطن.

الضياء الذي كان يجمعنا في الجريدة
والنهار الذي كان يقفز فوق الكراسي الصغيرة
في جنبات الحديقة
لم يزل ساطعا مثل صوتك
حين يغني لنا أملا كبهاء النخيل
يشـف، يشـف
ويغسل أثوابه من ضباب الزمانِ
إلى أن يصير حقيقةْ.
شاكـر الشـيخ..
مازلت كالأبجديات ما بيننا
تتجادل في مهرة الصبح حينا
وفي غصة الجرح حينا
ولكـنها أبـدا
تتوالد في كل يومٍ
بـروقا جديـدة
علي الدميني.