آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

ليبيا إلى أيـن؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

إثـر نجاح الثورة التونسية «17 ديسمبر 2010»، ثم الثورة المصرية «25 يناير 2011» فجـر الشعب الليبي ثورتـه في 17 فبرايـر 2011 ضد حكم معمر القذافي، غير أن لجوء قوات النظام ومنذ اليوم الأول إلى استخدام كل ما في حوزتـها من أدوات قمـع وتنكيل دموي بحق المتظاهريـن السلميين العزل، مما فرض تحول الثورة ومنذ بدايتها إلى حرب مسلحة، وخصوصا إثـر الانشقاقات في الجيش وقوات الأمن، ومع تزايـد المخاطر من ارتكاب مزيـد من المجازر بحق الشعب، أجاز مجلس الأمن فرض منطقة حظر جوي صحبته غارات استهدفت قوات النظام الليبي وترسانته العسكرية، وقد انبرت كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا الأعضاء في حلف الأطلسي للقيام بتلك المهمة، وهو ما مهد الطريـق لحسم المواجهة العسكرية لصالح الثوار، حيث نجحوا في تحريـر طرابلس في شهر أغسطس.

وفي 20 أكتوبر قـتل القذافي مع بعض أبنائه ومعاونيه. وقد تم الإعلان عن التحريـر الكامل لليبيا في 23 أكتوبر 2011 بعد حوالى 42 عاما من تسلط حكم القذافي.

كان المأمول أن سقوط الطاغية سيفتح عهدا جديدا في ليبيا، يرتكز على إقامة دولة مدنية دستوريـة، تصون السلم الأهلي وتكفل الحريـة والديمقراطية والعدالة والمواطنة المتساوية للجميـع، والتنمية المتوازنة بين المناطق، غير أنه وبعد عامين على سقوط القذافي لاتـزال ليبيا غارقة في مشكلاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية.

صحيح إنه تـم وضع دستور جديد للبلاد من قبل لجنة منتخبة، كما جرت انتخابات عامة للمؤتمر الوطني وتـم تشكيل حكومة من قبل الكتل السياسية الفائزة في الانتخابات، غير أن ليبيا باتت عرضة أكثر من أي وقت مضى لخطر الفوضى والتقسيم.

العديد من التقاريـر والأخبار الواردة تفيد بأن ليبيا تشرف على التفكك في ظل هيمنة المليشيات المتعددة على مناطق واسعة من البلاد، ووصل الأمـر بتلك المليشيات إلى محاصرة مقـرات المؤتمر الوطني «البرلمان» والحكومة والوزارات، بل ومحاولة اقتحام العاصمة طرابلس والسيطرة عليها، وفي مقابل الدولة المركزية الموحدة يجري إحياء التوجهات الفيدرالية بل والنزعات الإنفصالية في ظل عدم وجود وحدة وطنية حقيقية في مجتمع يفتقد الممارسة والثقافة المدنية ولاتزال تسوده المناطقية والقبيلية، وينقسم إلى بدو وحضر وأمازيـغ.. إلخ، والتي كرسها النظام السابق، وبموازاة ذلك شهدت مدن المنطقة الشرقية الغنية بالنفط تأسيس تكتلات فدرالية في طبرق والبيضاء وبنغازي بالإضافة إلى تكتل فدرالي أمازيغي هو الأول من نوعه في الغرب الليبي..

كما تشهـد ليبيا تدهـورا أمنيا خطـيرا حيث تتصاعد الاشتباكات المسلحة بين قوات الجيش والأمن وما بين المليشيات المسلحة من جهة، وما بين المليشيات المسلحة من جهة أخرى، كما فشلت جميـع المحاولات لنزع سلاح المليشيات أو إدماجها في المؤسسة العسكرية / الأمنية..

ازدادت وتـيرة الاغتيالات والاختطافات التي طالت شخصيات مدنية وقضائية وعسكرية وذهب ضحيتها العشرات منذ سقوط النظام السابق، كما سجل مؤخرا هـروب أكثر من ألف سجين من سجن الكويفية بمدينة بنغازي شرق ليبيا، وقد أثار اغتيال عبد السلام المسماري «ليبرالي» الناشط السياسي البارز المعروف بانتقاداته لجماعة الإخوان المسلمين، والذي يعد من المنظمين الأوائل لاحتجاجات عام 2011 في بنغازي ضـد حكم معمـر القذافي، سلسلة مظاهرات هوجـمت خلالها مقرات للإخوان المسلمين وذراعها السياسي «حزب العدالة والبناء» في مدينتي طرابلس وبنغازي..

على الصعيد الاقتصادي تشهد ليبيا تدهورا اقتصاديا وتنمويا مريـعا رغم أن لديها عاشر أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم وتحتل المرتبة السابعة عشرة في إنتاج النفط عالميا، ناهيك عن كميات الغاز الضخمة، غير أن التدهور الأمني وسيطرة المسلحين على مناطق إنتاج النفط والغاز وموانىء تصديـره حرم الدولة من إيـرادات السلعة الرئيسية الوحيدة التي يعتمد عليها اقتصادها الريعي وحيد الجانب الذي يعتمد على البترول والغاز كمحرك للاقتصاد وكمصدر رئيس لدخل الدولة..

وفي مواجهة سعي المسلحين الذين سيطروا على موانئ تصديـر النفط، سعيا لبيـع كميات من الخام في السوق السوداء، هدد رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، بضـرب أي سفينة تقـترب من الموانئ لأخذ شحنات نفط من المليشيات، مشيرا إلى أن «هذه المجموعة من حراس المنشآت أغلقت خلال الأيام الماضية مرافىء النفط في البريغا والزنتان وراس لنوف وسيدرا، ومنعت السفن من التحميل بموجب اتفاقات مع شركة النفط الوطنية..

من جهـته، قال وزيـر النفط عبد الباري العروسي: إن «هذه الاضطرابات أثـرت على الاقتصاد، موضحا أنه منذ «25 تموز/يوليو» خسرت ليبيا مليار وستمائة ألف دولار كان من الممكن أن تجنيـها من عائدات تصدير النفط.

في ظل هذه الوضعية غـير المستقرة تشهـد ليبيا أزمة خانقة في الوقود والكهرباء وتوفـر السلع التمويـنية، إلى جانب تدهور الخدمات الصحية والتعليمية. هذه الأزمة المعقدة والمركبة طالت عمل المؤسسات التشريعية والحكومية والأمنية، حيث تتالت الاستقالات والإقالات لأسباب متنوعة والتي شملت العديد من كبار رجال الدولة ومن بينهم رئيس المؤتمر الوطني العام محمد المقريـف «تنفيذا لقانون العزل السياسي لرجالات الحكم السابق» ونائب رئيس الوزراء عوض البرعصي «استقالة»، ووزيـر الداخلية محمد خليفة الشيخ «استقالة» ووزيـر الدفاع محمد البرغثي «إقالة» وغيرهم..

إزاء هذه المخاطـر المحدقـة بليبيا، أعلـن رئيس الوزراء الليبي علي زيدان عن مبادرة الحوار الوطني لمعالجة عدة قضايا منها: المصالحة الوطنية ونـزع السلاح في ظل معاناة البلاد من موجـة اللا ــ استقـرار...

وقال زيدان: إن «الهيئة المعدة لتنظيم هذا الحوار ستتألف من شخصيات ليبية من المجتمع المدني الذين سيبادرون إلى طـرح حوار ونقاش حول قضايا تتعلق بمستقبل الدستور والمصالحة الوطنية والنازحين ونـزع السلاح أو الأمن»، وأوضح زيدان أن هيئة الحوار الوطني ستكون مستقلة بالكامل عن الحكومة والمؤتمر الوطني العام ــ وهو أعلى هيئة سياسية في البلاد ــ..

السؤال الذي يطـرح نفسه هـنا: هل تستطيـع ليبيا عبور البـرزخ ما بين نظام حكم تداعى ومخاض نظام جديـد قـيد التشكل يستند إلى هويـة وطنية ومجتمعية مشتركة؟، أم أن ليبيا ستتشظى وتنقسم على غـرار الدول التي شهـدت تدخـلات خارجـية بشكل مباشر كما كان الحال في أفغانستان والعـراق وربـما سوريا قريبا؟.