آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

أوباما.. ومأزق الخط الأحمر

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

المواقف الدولية والإقليمية المتضاربة كانت واضحة وجلية إزاء سوريا منذ اندلاع انتفاضة الشعب السوري في 15 مارس 2011، والتي اتسمت في بدايتها بالسلمية وبرفع شعارات الحرية والكرامة والعدالة للجميع، غير أن استخدام النظام الحاكم لسياسة القتل والاعتقال وغيرها من أساليب القوة والبطش بحق المتظاهرين والمحتجين السلميين فرض تحول الحراك السلمي إلى مواجهات مسلحة، ثم سرعان ما اكتست ملامح حرب أهلية حقيقية تدور بين قوات النظام السوري وأنصاره والمليشيات المحلية والأجنبية المتعاونة معه من جهة وبين قوات الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة المسلحة «وبينها أعداد كبيرة من الأجانب» من جهة أخرى.

لا شك بأن النظام السوري يتحمل في المقام الأول المسؤولية المادية والجنائية والأخلاقية في اندلاع الصراع المسلح المدمر، والانتهاكات الشنيعة التي تحدث في سوريا، ودون إغفال للممارسات البشعة لبعض الفصائل «الجهادية» المتطرفة التي دخلت على خط الصراع العسكري، والتي تملك أجندتها الخاصة. الأخطر من كل هذا القتل والدمار، هو تدمير مكونات النسيج الوطني والمجتمعي والتعايش المشترك بين مكونات المجتمع السوري الذي يمثل موزايك دينيا ومذهبيا وإثنيا متنوعا، وذلك من خلال حرب الجميع ضد الجميع. من ناحية أخرى هناك من يقيم الصراع الدموي في سوريا باعتباره حربا بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية متصارعة.

وقد كشف تقرير أعده خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، نشر الأربعاء الماضي، عن انتشار واسع للتعذيب والاغتصاب، وعن ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، غير أن أخطر التطورات الميدانية في الصراع المسلح الجاري هو استخدام السلاح الكيماوي في 21 أغسطس الفائت في الغوطة الشرقية لدمشق، والذي ذهب ضحيته حوالي 1400 شخص من بينهم مئات النساء والأطفال. إزاء تلك الجريمة المروعة ضد الإنسانية جاء تحرك النظام العربي الرسمي والقوى الإقليمية والدولية المتصارعة ومن منطلقات ومصالح متباينة.

وعلى مدى أسبوع حبس العالم أنفاسه في انتظار العد العكسي لتنفيذ التهديد الذي أطلقته الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون، وبخاصة فرنسا وبريطانيا، بتوجيه ضربة موجعة للنظام السوري من أجل إضعاف قدراته على استخدام هذا السلاح المحظور دوليا، ولإضفاء مصداقية على ذلك التهديد جرى استنفار الأساطيل والقواعد العسكرية الأمريكية والأوربية في البحر المتوسط والخليج العربي وتركيا وغيرها.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي يتهم من قبل معارضيه في داخل الولايات المتحدة وخارجها بالتردد والضعف، قد سبق له أن صرح مرارا بأن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا يمثل خطا أحمر، ولإثبات صدقيته تصدر المناديين بضرورة ضرب ومعاقبة النظام السوري. في المقابل كان رد النظام السوري وحلفاؤه، وبخاصة روسيا وإيران، هو تحميل المعارضة المسلحة مسؤولية استخدام السلاح الكيماوي من أجل استدراج القوى الغربية للتدخل ضد النظام، خصوصا في ظل تغيير موازن القوى لصالحه بعد نجاحاته العسكرية ضد معاقل المعارضة في العديد من المناطق.

من جهته، حذر بشار الأسد في مقابلة مع قناة أمريكية بأن الهجوم الأمريكي/ الغربي سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب والمواجهة لتشمل المنطقة برمتها، كما أن إضعاف النظام السوري سيؤدي إلى سيطرة القاعدة والقوى الجهادية المتطرفة على سوريا وتحويلها إلى مركز انطلاق للعمليات الإرهابية التي ستطال المنطقة والغرب والعالم. ومع أن روسيا نفت مشاركتها في حروب الآخرين «إشارة إلى سوريا»، إلا أنها عبرت عن رفضها الشديد لقرار الهجوم واعتبرته يفتقد للشرعية الدولية، ومشترطة لتنفيذه ضرورة فحص نتائج لجنة المراقبين الدوليين وتحديد الجهة المتورطة، والحصول على تفويض من مجلس الأمن. وحذر بوتين في صفحة الرأي بصحيفة النيويورك تايمز من أن أي ضربة عسكرية أمريكية ضد سوريا ستسفر عن موجة جديدة من الإرهاب وستفقد نظام القانون الدولي توازنه.

غير أن خيار ضرب سوريا واجه عقبات ونكسات جدية، من بينها رفض غالبية الرأي العام الأمريكي والأوربي لقرار الهجوم، إلى جانب تصويت مجلس العموم البريطاني ضد قرار المشاركة في الضربة، وهو ما أفقد الولايات المتحدة مشاركة حليفها القديم القوي والموثوق، إلى جانب تردد فرنسا. حتى الآن ليس معروفا ما جرى بحثه وراء الكواليس بين الرئيس الأمريكي أوباما والرئيس الروسي بوتين إزاء الموضوع السوري في اجتماعهما الثنائي على هامش اجتماع قمة العشرين في بترو غراد في الأسبوع الماضي، غير أنه علينا التوقف أمام مسألتين قد تجعلان موضوع الضربة الأمريكية ملغيا أو مؤجلا، وهما: أولا قرار أوباما إحالة موضوع الضربة لمناقشته والتصويت عليه في مجلسي الشيوخ والنواب «مع وجود شكوك في نيل الموافقة» رغم امتلاكه كامل الصلاحيات في شن الهجوم، وهذا ما يعني إعطاء الجهود السياسية مزيدا من الوقت.

النظام السوري ــ بدوره ــ الذي اختبر مدى جدية وتصميم أوباما في تنفيذ تهديده بتوجيه الضربة العسكرية سارع إلى القبول بالمبادرة الروسية لوضع ترسانته الكيميائية تحت الرقابة الدولية، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى طلب تأجيل تصويت الكونغرس على ضرب سوريا، مبررا ذلك برغبته في منح فرصة للمساعي الدبلوماسية الرامية إلى نزع أسلحة دمشق الكيماوية. غير أن الأيام القليلة القادمة تظل حبلى بالمفاجآت.