آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الوطن يريد ونحن أريد!

فوزي صادق *

«وطن بلا مواطن، ومواطن بلا وطن».. تتوارد عليّ هذه الجملة في محك العقل كلما وجدت تعبيراً واقعياً لمواطن عربي يتألم من وطنه، أو تشخيصاً لأوجاع عربية جماعية كما هي في الصور الإعلامية هذه الأيام.. فإن تصورنا وطن بلا مواطن، فهذا غير ممكن ويلغي الوطن من محتواه وماهيته، إذ لا معنى ولا قيمة لأرض دون إنسان يمشي عليها وينتمي لها ويحرثها ويعمرها، وإن قلنا مواطن بلا وطن، ربما ممكن وواقع موجود، فتجد إنسان يسير بقدميه على أرض الوطن لكن لا ينتمي له البتة، ولا يربطه بوطنه أي صلة روحية، فقط انتماء على الورق، مع حرمان الشعور بالوطنية، لكن هذا الإحساس متعب، وينم عن عدم الاستقرار. لكن من يحتوي الآخر، هل الوطن يحتوي الإنسان؟ أم العكس؟ تتجلى الحقيقة وإجابتها من ظاهر التطبيق كرد فعل، إذ يحتوي الوطن الإنسان منذ نعومة أظافره حتى يترعرع ويكبر، ثم يلقى الدور على الإنسان كي يرد الجميل بحماية الوطن الذي احتواه، فيحتويه.

يا وطن! أنت تريد، وأنا كمواطن أريد، ولكي يحدث التكامل والانسجام بيننا، يجب أن نحترم ونلبي طلباتنا؟

ينشد المواطن « الإنسان » من الوطن أربعة حقوق وهي: «الاعتراف، الأمن، لقمة العيش، الحريات» والوطن أيضاً يطلب من الإنسان أربعة حقوق وهي: «الولاء، الإيـثار، التعمير، الحماية»، لكن لو فكرنا ملياً وركزنا جلياً لوجدنا إن المعنى الحقيقي للوطن والوطنية هو «الإنتماء» ثم «الهوية» ثم «الأصالة» ثم «التمثيل» وهذا كله يعني ماهية وطبيعة العلاقة والانصهار والاندماج بين الإنسان «المواطن» والبيئة المحيطة به مع قوانينها «الوطن»، وإن كل شبر وفتر بالوطن متعلق بتلك الروح الإنسانية التي تسير فوقه وتستفيد منه.. فالإنسان يمثل كل شيء بالنسبة للوطن، بل هو الوطن نفسه كمعنى ومصطلح، وهو الاستثمار الحقيقي لبقاء ونمو الوطن، وليست الحكومات أو المجموعات والمؤسسات التي تدير جميع شؤونه وحدها فقط تمثل الوطن! فما هي إلا جزء من الوطن، فالحاكم والوزراء مواطنون، ولهم وعليهم ما على الجميع من مسؤوليات وتوزيع أدوار تجاه الوطن، وربما تتعاقب أمم وتذهب أخرى، ويبقى الوطن بمواطنيه شامخاً، وهذا هدفهم وديدن أجدادهم حتى ذراريهم، وقيمة الوطن من قيمة المواطن والعكس صحيح، فلا قيمة للعش دون طائر، إذ تسلخ عنه ماهية العشعشة بنزع دور الطائر عنه، فتصبح كينونة العش لا شيء، وذكر الكلمة عبثا دون معنى!، وإذا بلغت الأصالة ذروتها، يتحول حب الوطن إلي درجة الإيثار، وهي أن تضحي للوطن بكل ما تملك، فالوطن يعيش فينا قبل أن نعيش فيه، وهو يحتوينا ويحتضننا، وإذا بلغ تلك المنزلة يجني حب المواطن، وكما يقول المثل الشعبي الخليجي « من ربى معزة أنجبت توم، ومن خلاها ذهبت تحوم »، وكما يقال الحديث « من زرع حصد » فزرع حب الوطن بقلوب المواطنين يحصد الانتماء والولاء.

نواة حب الوطن.

يغرس الوطن في الإنسان «المواطن» بذرة الحب منذ سقوط رأسه على ترابه، ويهتم بها أي النواة مع ترعرعه، وكبره حتى تصبح شجرة من الحب المميز والخاص بالأرض، وعندما يبلغ الإنسان من العمر مأخذاً، تظهر شجرة حب الوطن كالظل على رأسه، فيهتم بها «له وعليه»، أي أن إخلاصه للوطن بحمايتها والاعتناء بها، والإنسان يحمي الوطن ويحميها لبقائها، وهكذا تصبح أشجار حب الوطن موجودة مع كل إنسان يعيش على أرضه الطاهرة، وتظهر معهم غابة من الحب والولاء والتضحية.

جاء في تعريف مسمى وطن في لسان العرب لأبن منظور القول بأن وطن يعني المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله، والجمع أوطان، وأوطان الغنم والبقر مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها، وأوطن بالمكان، وأوطن أقام، وأوطنه اتخذه وطناً. يقال: أوطن فلان أرض كذا وكذا أي اتخذها محلاً ومسكناً يقيم فيها، وأوطنت الأرض ووطنها توطيناً، وأستوطنها أي اتخذتها وطناً. أما في الاصطلاح السياسي المعاصر فيقصد بالوطن " الجهة التي يقيم فيها الشخص دائماً أو التي له بها مصلحة أو فيها مقر عائلته، والمواطنة: هي صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماءه، وفي القرآن الكريم لم يستعمل لفظ وطن، وقد أستعمل لفظ بلد، وهناك سورة في القرآن باسم سورة «البلد» وهي السورة رقم «90» في القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ. ومنها بلدة وبلاد كقوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ، كما استعملت لفظة «ديار» يقول تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا، ومن الحديث الشريف يمكننا الاستشهاد بالحديث المتداول والمشهور وهو: «حب الوطن من الإيمان»، فمن المظاهر الإيمانية للإنسان أن يحب وطنه وأن يواليه بروحه وماله وعياله، وواجب الوطن حماية المواطن بكل الظروف، وأن يعامل مواطنيه دون تميّز لمذهب أو عرق، فالكل مواطنون سواسيه.. حماك الله يا وطني من كل شر وأدام الله عزك.

كاتب و روائي - الدمام