آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:57 م

ماذا خلف عزلة المثقف؟

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

عزلة المثقف من القضايا القديمة التي تطفو على السطح، ثم تنغمر مع كل حدث أو قضية جديدة تشغل الرأي العام. فقد يحدث أن يوضع المثقف في مواجهة نقد قاسٍ وتُهم كبرى، تعيب عليه انطواءه ونأيه عن نبض الحياة العامة دونما أن يتجشم أحد ما عناء كشف الأسباب الحقيقية وراء الأسوار العالية التي يشيدها المثقف حول نفسه!

مَنْ هو المثقف؟

هو الذي يستطيع أن ينسج من معطيات الوجود ومن نتاج الفكر الإنساني ومن الواقع المُعاش رأياً مستقلاً؛ لأن التخلص من التبعية من أصعب مهام العقل الذي قد يُضلَّل ويشتبه ويخلط الأمور. فالرأي هو العلامة الفارقة، وليس الاطلاع وكمية المعرفة هما ما يكفي لأن ترى بعين المثقف التي ترى ما لا يراه الدهماء. العين القادرة على الفكاك من طحالب المبالغات والأكاذيب والتجديف إلى شواطئ الحقيقة. لذا ينتظر المجتمع من المثقف دائماً أن يتبنى قيادة الرأي العام، والتصدي لأي مغالطات فكرية بخطاب تنويري من شأنه تبديد ظلمة العقول. لهذا يقول سارتر: «المثقف يجب أن يكون عضوياً»، يعني أن يكون متجانساً مع مجتمعه ومتفاعلاً مع ظروفه وآلامه واحتياجاته. لكن يختلف الأمر في مجتمعاتنا كثيراً، فغياب المثقف الحقيقي والعضوي في آن واحد حقيقة لا جدال فيها. السبب ببساطة نوم العقول الجمعية أو محاولة تنويمها بترانيم بالية أبعد ما تكون عن الصواب دون أن ندخل في جدلية نسبية الحقيقة. تعاني مجتمعاتنا من سبات طويل وقديم ومتوارث، إنه القارب البطيء والسارح في جدول راكد وعلى وتيرة واحدة. وما إن يتمكن عقل ما من الخروج من هيمنة الجهل والظلام ويرمي حجراً صغيراً ليحرك ركود الجدول حتى يجابه بهجمة شرسة من النيام ممن أدمنوا السكون، واعتادوا الرتابة. لهذا إذا كنت مثقفاً مفكراً أو حداثياً أو تنويرياً في مجتمعاتنا فإن هناك طريقتين لأن تعيش ضمن هذا السواد المقيم، إما العزلة أو التنكر خلف قناع يألفه من حولك؛ حتى لا تُقصى أو تنبذ وتُشتم في شخصك أو عرضك أو عقلك.

قبل أيام كان البليهي المفكر السعودي في خطاب مباشر مع طلاب جامعة اليمامة في الرياض، ولم تكن المحاضرة ضمن مقطع الفيديو الذي انتشر عبر اليوتيوب وموقعَيْ التواصل الاجتماعي تويتر وفيس بوك، ولكن ما ظهر في الفيديو هو مداخلة الدكتور الدفاعية «ابن حراث بوتو» التي علق فيها على محاضرة الدكتور البليهي، والتي قام فيها بتبيين قيمة الحضارة العربية ومكانتها في خط الزمن الحضاري عبر شعوب العالم، وقال أيضاً: «عندما تقول إن الحضارة الغربية امتداد للإغريق ونسيتنا نحن العرب، فإن الحضارة المعاصرة هي امتداد لحضارة الأندلس». فاشتعلت القاعة بالتصفيق للدكتور الجزائري، وبدأ الطلاب بالانسحاب خلفه من القاعة، وبقي البليهي مع مضيفه في القاعة شبه خالية!

لا يمكنني حقيقة الحكم على محاضرة البليهي؛ لأنها لم تظهر كاملة، لكن من الواضح أنه تبنى رأياً مخالفاً للسائد مما وافقه ردة فعل عنيفة من الأغلبية. قد لا أكون متفقة تماماً مع طرح الدكتور، لكنني أعتبر ما قام به الطلاب كان تبعياً وغير واعٍ، ولا يمثل خُلق الإسلام؛ فديننا الحنيف يحثنا على احترام الآخرين، وتقبُّل وجهات النظر. كما أنه ليس من الأعراف الأكاديمية في شيء أن يُنبذ المخالف ويُهجر مجلسه. لكنني لم أستغرب هذا السلوك العدواني والمجابه للرأي الآخر؛ فهو الغالب على أي حال، لكنه قد يجيب عمن يتساءل عن «عزلة المثقف»!