آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 9:06 م

امرأة سعودية في «نابل»

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

حملنا فيض قلوبنا وعصارة التجارب وطرنا نحو عشٍ يحتوينا، مثل حمائم في الهجرة.

هناك التقينا، في تونس التي مدت لنا ذراعها الأخضر وفرشت قلبها الوارف. كنا مجموعة شعراء من أرجاء الوطن العربي الكبير: مصر، اليمن، العراق، فلسطين، الكويت، الجزائر.. وبقية أقطار بلاد الضاد. في ملتقى الشعراء العرب الذي دشنته وزارة الثقافة التونسية بتنظيم ممتاز. محفوف بالبسمات الكريمة والترحاب الحفيّ ثم البرنامج المميز. مبدوء بيوم الافتتاح الكبير، الذي كان بمثابة عرس صاخب زف فيه أدونيس الشاعر العبقري عريساً في ليلة ممزوجة بالموسيقى.

ملتقيات كهذه هي ليست فقط فرصة لتلاقح التجربة الشعرية وحسب بل للتقارب العربي وإعادة تفسير النفسية العربية وعقلها وتفاصيلها الاجتماعية، واختبار لأخوة الهوية الواحدة التي فرقت بينهم الحدود الجغرافية. هناك قدّمنا بعضنا لبعض، ارتشفنا التجارب وتبادلنا الخبرات والحكايات وتفاصيل صغيرة أخرى. كنتُ أنا والشاعر أحمد قران الزهراني ممثلين للوطن في خضم ذاك التلاقي المدهش. وكنتُ كلما عرّفتُ بنفسي على أني شاعرة سعودية أخذهم الفضول وباغتوني بالأسئلة والاستفسارات عن وضع المرأة وحقوقها المستلبة وعن عدم السماح لها بقيادة السيارة!.

قضيت هناك أربعة أيام بين نابل وقرطاج وقليبية، وهناك أيضاً كلما كشفت عن «سعوديتي» ثارت قضايا المرأة وعلى رأسها قيادة السيارة. حتى وقف شاعر تونسي وقدم لي إهداء خاصا، وهي عبارة عن قصيدة مكتوبة خصيصا عن قيادة السيارة.

شعرتُ بثقل المسؤولية تلزمني بتصحيح الصورة النمطية المغلوطة أو المضخمة. لأننا لو تأملنا المشهد العربي بمجمله لوجدنا أن المرأة العربية لم تنل مكانتها المأمولة على صعيد حقوقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جميع الدول العربية بلا استثناء. فمازالت المرأة تعيش في واقع انتقاص وإجحاف يمكننا أن نلحظه في معدل التحرش الذي تصاعد إلى 90%، أو معدل ختان الإناث التي تجاوز 91% في مصر مثلا، هذا ناهيك عن قضايا العنف والحقوق الإنجابية والمعاملة داخل الأسرة وموقف المجتمع الذكوري تجاه دورها في السياسة والاقتصاد في بقية دول العالم العربي. بل إن حتى جزر القمر التي تصدرت قائمة أفضل الدول العربية بالنسبة لحقوق المرأة في دراسة أجرتها «تومسون رويترز» للأخبار والمعلومات خلال شهري أغسطس وسبتمبر، واستخلصت نتائجها بناء على آراء 336 خبيرا اجتماعيا في مجال المرأة وجهت إليهم الدعوة للمشاركة في استطلاع على الإنترنت. مازالت تعاني فيها المرأة من تأزمات في التمثيل السياسي، إذ تشغل المرأة 20 في المئة من المناصب الوزارية، كما تشغل ثلاثة في المئة فقط من مقاعد مجلس النواب.

فالسؤال الآن: لماذا توضع المرأة السعودية تحت دائرة الضوء، وتحتها خطان عريضان، كما لو كان وضعها هو الأسوأ حالا بين قريناتها في الدول العربية الأخرى؟ الإجابة ستجدها في مادة الإعلام المغرض الذي استغل قضاياها وضخمها. أو في طريقة تناول السعوديين أنفسهم لتلك القضايا وأساليب نقلها للآخرين.

طلبت الإذن بالتعليق على الشاعر صاحب الإهداء فشكرته وقلت له:

«عليك أن تقترب من الواقع أكثر لتعرف أن المرأة السعودية ناضلت من أجل نيل حقوقها، وبلغت بها إلى درجة جيدة مقارنة عن السابق. وحققت الكثير من النجاحات في جميع الأصعدة. نضالها من جهة والرؤية الحكيمة والمواتية لسقف الدولة من جهة أخرى جعلتها تتقاسم مقاعد مجلس الشورى بجوار أخيها الرجل. الطريق طويل جدا، نعم، وبحاجة للتدرج لكننا  وهذا ما أنت بحاجة للتبصر فيه  ماضون فيه. ووجودي بينكم اليوم لتمثيل بلادي خير دليل على أن المرأة ليست سجينة بيتها وتحظى على فرص».

في اليوم التالي وبعد عودتنا لنابل، أنهيتُ فقرتي الشعرية وعدتُ لمقاعد الجمهور. سيدة خمسينية من سوريا ألقت عليّ التحية وقالت: أنتِ سعودية؟. قلت لها: نعم. قالت: «ولهلق أنتو بالسعودية ما بتسوقو السيارة؟»!!!!!