آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:31 م

زيارة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

من منا لا تعتري عروقه الرعشة اللذيذة تلك، حينما يلوح في الخاطر عصر الثورة العربية الفكرية التي شطرت ذرة العلم «ترجمة وتأليفاً» ليصل دويها مفزعاً أوروبا من غفوتها الطويلة في تخوم الظلام!. فالذاكرة العربية لا يسعها تجاوز فجر العباسيين المشرق على مساحات الفيزياء والكيمياء والفلك والطب والرياضيات. ولا تلك الحقبة التي كان فيها العربي يدرس إقليدس وفيزياء العناصر ومخروطيات أبولونيوس وأرخميدس وبطليموس في الوقت الذي كان الأوروبي منغمسا في الجهل والهمجية كما يصف المؤرخ الفرنسي لومبادر! ولم يسعني - أيضاً - تجاوز غمرةِ بهجةٍ فاخرةٍ اعترتني وأنا قبالة مخطوطة سافرت من بغداد المأمون إلى طريق الملك فهد في الرياض في زيارتي - غرة هذا الشهر - لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، بدعوى قدمها المركز لمجموعة صحفيين وصحفيات شملتني بكرمها.

يتألف المركز من عدة أقسام: قسم البحوث والدراسات، وقسم التراث والثقافة، كما يضم مركزاً للمعلومات قوامه أربع مكتبات. ويضم الأخير مكتبةً رئيسة مهيأة لاستيعاب ما يقارب مليون كتاب في مجالات متفرقة، وقسماً لخدمات الباحثين يتولى خدمتهم عن طريق توفير خدمات البحث وطباعة المخرجات، وتوفير قوائم بما يستجد في مجالات تخصصهم. ويتبع المكتبة قاعة للقراء تحتوي على أهم المراجع العربية والأجنبية التي تشمل المعاجم ودوائر المعارف وغيرها من المصادر المتعددة، وقاعة قراءة أخرى للدوريات تحتوي على 3500 عنوان في أكثر من عشر لغات، منها مجموعة كبيرة من الدوريات النادرة والمتوقفة عن الصدور. ثم انتقلنا لقسم الوسائل السمعية والبصرية ومنه لمكتبة الأطفال وقسم الحاسوب إلى أن وصلنا لأكثر الأقسام إثارة وهو قسم المخطوطات الذي يحوي 43000 مخطوطة «بين مخطوطة أصلية ومصورة»، ويعتبر أكبر تجمع للمخطوطات الأصلية على مستوى المملكة والخليج العربي. هناك حيث يغفو زمنٌ أثير خلف الزجاج، هي اللحظة الشاعرية والمثيرة في أن تصافح مشدوها مخطوطتي كليلة ودمنة وفقه اللغة للثعالبي الأصليتين، وهما من المخطوطات التي يفخر بحيازتهما المركز. ثم تستحضر المتنبي مفتخراً:

ما مقامي بأرض نخلةٍ إلا

كمقام المسيحِ من اليهودِ

أين فضلي إذا قنعت من الدهر

بعيشٍ معجلِ التنكيدِ

ولم تكن مشاعري أقل دفئًا حين وقفتُ أمام الورق المتهالك وهو يصارع من أجل البقاء بمساعدة خبير معالجة الورق، حين طلبت منه التوقف برهة لأضع إصبعي على الزمن الأثير!

نهاية الرحلة كانت لقاء المجموعة بمساعديّ الأمين العام: الأمير فيصل بن سعود بن عبدالمحسن والأمير خالد بن سعود الفيصل.

ومن اللافت بحق ذاك الحماس المتدفق للمركز وتكثيف الجهود لمواصلة مشوار خدمة الباحثين والدراسين الذي يقدمها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فقد كان واضحاً من حديثهما ذاك الوعي الفريد بأهمية ما يقدمه المركز من خدمات وأهمية مد حبل التواصل - أكثر - بينه وبين الأكاديميين والمؤلفين والباحثين وكل من يسعى لبيئة حاضنة ومزودة لمشروعه الثقافي.