آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:20 ص

مِنْ صِناعةِ الغَبَاءِ.. إلى مُنْتَجِ التَّقْدِيس!

شاكر أحمد تريك

تَبدأُ المَأساةُ ورحلةُ تَحويلِ الإنسانِ إلى جاهلٍ وغَبِي مِنَ اللحظةِ التي يتعلَّم فيها تَقدِيس رَجُل العِلم قّبل العِلم، ورَجُل الدِّينِ قَبل الدِّين. فَمَنْ مِنَّا لم يَسْمع ومُنذُ الصِّغَر بجملةِ ”مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفًا كُنْتُ لَهُ عَبْدًا“. فَهَلْ يجب عليِّ أَنْ أمنحَ حَياتي وحُريَّتي لِمَنْ عَلَّمَنِي؟ لا أعتقدُ ذلك، فَمتَى ما اُسْتُعْبِدَ الإنسانُ وعقلهُ كانَ ذلكَ إهانةٌ للخالق الَّذي أوجَبَ التَّحَرُر مِنَ العُبوديَّة.

أفضلُ قصةٍ تُجَسِّدُ مفهوم صناعةُ الغَبَاء هي تَجرِبَةُ ”القرودِ الخَمسة“ والتَّي تمثَّلتْ فيما قام به - مجموعةٍ مِنَ العُلمَاء - بوضعهم خمسةِ قرودٍ في قفصٍ، وفي وسطِ القفص وُضِعَ سُلَّمٍ في أعلاهِ بعض الموز، فكلَّما صَعَدَ أحَدَهُم لأخذهِ تَمَّ رشُّ باقي القرودِ بالماءِ البارد. في فترةٍ بسيطةٍ أصبحَ كُلَّ قردٍ يصعدُ لأخذِ الموز، يقوم الباقين بمنعهِ وضربهِ حتى لا يُرَشَّون مرة أخرى. معَ التكرار لَمْ يجرؤ أيُّ قردٍ على صعودِ السُلَّم لأخذِ الموز بالرغم مِنْ كُلِّ الإغراءات خوفًا مِنَ الضرب. عندها قَرَّر العُلمَاء أَنْ يقوموا بتَبدِيلِ أحدِ القرودِ الخمسة بواحدٍ جديد، فأوَّلِ شيءٍ يقوم به القرد الجديد أَنَّهُ سَيصعد السُلَّم لِيَأخُذ الموز. ولكن فورًا فالأربعة الباقين سيضربونه ويجبرونه على النزول. بعد عدةِ مراتٍ مِنَ الضرب يفهم القردِ الجديد بِأَنَّ عليه أَنْ لا يصعد السُلَّم مَعَ أَنَّهُ لا يدري ما السبب. قام العُلمَاء أيضًا بتبديلِ أحدِ القرودِ القُدامى بقردٍ جديد وحَلَّ به ما حَلَّ بالقردِ البديل، حتى أَنَّ البديلِ الأوَّل شارك زملائه بالضرب وهو لا يدري لماذا يَضْرِب. وهكذا حتى تَمَّ تبديل جميع القرودِ الخمسةِ الأوائل بقرودٍ جديدة، حتَّى صار في القفصِ خمسةِ قرودٍ لم يُرَش عليهم ماءٍ باردٍ أبدًا. ومَعَ ذلك أصبحوا يَضرِبُون أيِّ قردٍ تُسَوِّل له نفسه صعود السُلَّم بدون أَنْ يعرفوا ما السبب. فلو فرضنا جدلًا، أَنَّنَا سألنا القرود لماذا يَضْرِبونَ القردِ الَّذي يَصعَد السُلَّم؟ فالأكيد سيكون الجواب: لا ندري ولكنْ وَجَدْنَا آباءنا وأجدادنا لهُ ضاربين.

لقد جَسَّدَت التجربةُ أعلاه حَالِ المجتمعاتِ على مرِّ العصور والتي تقومُ بكثيرٍ مِنَ المُمَارَسَاتِ دونَ أَنْ تفهم لماذا؟ وفي ظِلِّ ذلك لَمْ يَكُنْ هناكَ مَنْ كلَّفَ نفسهُ ولو أَبسطِ العناءِ لمعرفةِ لماذا نفعل ذلك، والأسوأ هو مُحارَبَتِنَا لِمَنْ يُفَكِّر ويبحث في الأمرِ باعتبار أَنَّ ما وجدنا عليه آباءنا مُنزَّلٌ مُقدَّس، وهذا داءُ المجتمعاتِ عامةً والعربيةُ خاصةً. فما هو الحل للخروج مِنْ هذهِ الآفة التي ظَلَّتْ تُلاحِقُنَا جيلًا بعدَ جيلٍ؟

‏ليتَنا نستطيعُ على الأقلِّ أَنْ ننصحَ بتركِ بعض العاداتِ والتقاليدِ مِنْ غيرِ أَنْ نُنْتَقَد، والعملِ على تشكيلِ حواراتٍ فكريةٍ بين الشباب خاصةً، ليكون لديهم الحصانةِ الفكريةِ والعقليةِ ضِدَّ الجهلِ والخُزَعبلات. فكفى مِنْ صناعة الغباءِ وتوريث الجهلِ الَّذي أُلبِسَ لَبَوسَ القَدَاسَة. فالآن ومَعَ عِلمِنَا وفَهمِنَا كيف يُصنَع الغَبَاء، هل سنأخذُ على عاتِقنَا صُنعَ الذكاء في أطفالِنا وفلذَّاتِ أكبادِنا ومرؤوسِينا في العملِ حتَّى نفتح لهمُ المجالِ للإبداعِ ولا نقودُهُم إلى ما قادونا إليه الآباءِ والأجداد. ”فهُناكَ شَيئينِ لا حُدودَ لهُمَا.. العلمُ وغباءِ الإنسان“. - ألبرت أنشتاين

نَحنُ نسيرُ نحو التَّمَدُن ولكنَّنا مَعَ الأسف نعودُ اليوم لنحتَّل المراكزِ الأولى مِنْ بينِ المجتمعاتِ الأقلُّ ثقافةً والأكثرُ جهلًا، فعَادتْ لنا ثقافةُ تَقدِيس الأفراد بسبب منزلتَهم الدينية غير مقتصرةٍ على عوامِ النَّاس فقط، بَلْ تجاوزتهم إلى النُخَبِ والفئاتِ المُتَعلِّمة بغضِ النظرِ عَنْ توجهاتِهم الفكرية. فالويلُ لِمَنْ ينتقد رجالُ الدِّين المُقَدَّسون مِنْ قِبَل أتباعِهم ومُريدِيهم أكثر مِنَ الله، فقد أعْلَوا مِنْ شأنِ شخصيّاتٍ ومَجَّدوا من نماذج معيّنة وأضفَوا عليها السِّمَة البطوليّة وحَمَلتْ برأيهم كمالِ الفضائل بما لا يستطيعُ المخلوق العاديُّ التّوصّل إليها، متناسين أنهم بشرٌ كغيرهم يُخطئون ويُصيبون ومكانتِهم في أيِّ مجتمعٍ يجب أَنْ تُقاس بِقَدْرِ ما يُقدِّموه لذلكَ المجتمعِ مِنْ أعمالٍ نافعةٍ ومفيدةٍ. فالقُدسيَّةُ للهِ وحدهُ خالقُ هذا الكون ومبدِعُهُ وللرُسلِ والأنبياءِ وأوصياؤهم، وما الإنسانُ الَّذي هو على الدوامِ عُرضةٍ لمؤثراتٍ خارجيةٍ وداخليةٍ عديدةٍ تجعلهُ يصيبُ ويخطيء بحقِّ نفسه وبحقِّ الآخرين، سوى كائنٌ مِنْ ضمنِ الكائنات الفانيةُ العديدةُ التِّي تعيشُ في هذه الدنيا. فكيف نمنحُ لِبَعضِنَا البعض القُدسيَّة؟ وما هي أفضليةُ البعضُ مِنَّا لينالَ القُدسيَّة على حسابِ البعضِ الآخر؟ أهو الغورُ والتَّبَحُر في علومِ الدِّين! وإن يَكُنْ.. أليسَ هنالكَ مَنْ هو حاصلٌ على أعلى الدرجاتِ في علوم «الفلسفة، والفلك، والطب، والإجتماع، والكيمياء، والهندسة، والأدب وغيرها…» وكلها أمورٌ لا يفقه منها أو فيها رَجُل الدِّين مثقالَ ذرةٍ قياسًا بالمتخصصين فيها! أوَلَيسَ هُنَاكَ اليومَ مِنَ المفكرينَ والمبدعينَ وأصحابِ الرأيِّ مَنْ هُم أكثرُ علمًا بكثيرٍ مِنْ أولئك إلَّا أنهم لَمْ يَنَالوا ولو جُزءٍ بسيطٍ مِنَ الإهتمام والتقدير الَّذي ينالهُ رِجَالُ الدِّين.

إِنَّ تَقدِيس بعضُ البشر مِنْ قِبَل البعضُ الآخر لا يقودُنَا إِلاَّ إلى قصورِ العقلِ البشريُّ والإنسان كَكُل، وبالتَّالي عَدَمْ إستحقاقهِ للتَّقدِيس فكيف يُقدِّس الإنسان إنسانًا مثلهُ يخطيءُ ويُصيب، وينسَى ويتذَكَّر، ولهُ مشاعرٌ بها يكرهُ ويُحِّب، ويحقِد ويُسامح. فإضفاءُ تلكَ الصفةُ على الأفرادِ ومُنذ قرون لا يُرَوِّج لها ويشجِّع عليها إلَّا مَنْ يَعتَاشُ على تفشِّي مثلُ هذه الثقافةُ بين الناس. فَهُم مَنْ قام بصناعةِ الفردِ المُقَدَّس عبر تهيأته منذُ الصِّغَر ونعومةِ الأظفار لهذه المنزلة بِأَنْ زرعوا في عقلهِ فكرة أَنَّهُ مُقدّس وراثيًا بإعتبار أَنَّ نَسَبهُ يعودُ إلى نبيٍ مرسلٍ أو إمامٍ معصوم حتى وإِنْ كان لا يمتلك ولا صفةٍ مِنْ صفاتِ ذلك النبي أو الإمام ومِنْ دون أَنْ يكون عنصرًا فاعلًا في المجتمعِ الَّذي يعيش فيه، بَلْ حتى وإِنْ كان عنصرًا فاسدًا ومُضِرًا لمجتمعه. لقد كان الهدفُ الأساس مِنْ إبتكارِ ونشرِ هذه الثقافة هو إبقاءُ الناسِ جَهَلة ومُتكَتلِّينَ طَائفيًا ودَينيًا لكي يَسْهُلْ إنقيادَهم وإستغلالَهُم وتأليبَهُم ضِدَّ بعضِهم البَعض للوصولِ إلى غاياتٍ دِنيويةٍ بحتة، منها المال والسلطة.

إِنَّ ثقافة التَّقديس هي مِنْ أخطر الثقافات وقد أُصِّلَ لها مُنذُ مئاتِ السنين في تُراثِ بعضِ الشعوب، لذا مِنَ الصَّعبِ تغييرها في يومٍ وليلةٍ ولاحتى في عقود. فلقد أصبحَ اليوم رجلُ الدِّين هو الآمرُ الناهيّ وصاحبُ اليدُ الطولى والأقوى، والكلمةُ العُليَا في تسيير أمورِ بعضِ البشر التي اختارتْ بِأَنْ تُلغي عُقُولَهَا وأَنْ تضعَ بدلًا مِنْها أجهزةُ إستقبالٍ يوجِهُهَا جِهَازِ التحكمِ الموجودِ بِيَدِ رَجُلِ الدِّين، لينغرسَ بنهايةِ المَطافِ في عقولنا بِأَنَّ المؤمنُ دائمًا وأبدًا بحاجةٍ لِمَنْ يُنيرَ طريقهُ وأنَّه غيرُ قادرٍ على أَنْ يُفَرِّقَ بين الإستقامة والزَّلل. وهُنا تكمُنْ حقيقةِ الجهل المُقَدَّس في نقلِ الرِّسالة دون نقلِ المعرفة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 20 / 9 / 2014م - 12:12 ص
ما أدري يقصد بهذا الكلام صاحب المقال مجتمع القطيف لو مجتمع في خياله فقط ..!!
وين تقديس لرجل الدين ومن منهم رجال الدين يلتفت اليه ولا أقل دليل على هذا ما نراه في مناسبات الأفراح والزواج .. وين التقديس وكل من عرف منهم طلعت عليه بدعة يسخرون بها ..!! العلم يهتضم نعم الجهل ينتشر نعم لكن الاتكال على مقولة .. من علمني حرفا كنت له عبدا .بعيد كل البعد عن مفهوم صاحب المقال الاحترام واتباع إرشادات المعلم ليس المقصود بها تجميد الفكر أو عدم الاكتراث بالمتغيرات الحالية .. فلو نظر إلى من يشجع فريقا للكرة ماذا يقول أو مصارعا أو ..أو .. ماذا سيقول تقديس لو عبادة لو ماذا ..!!
أقل ناس احتراما لهم هم رجال الدين ..!!
والأمثلة كثيرة والله المستعان ..!!.
2
شاكر أحمد تريك
[ القطيف ]: 20 / 9 / 2014م - 3:06 ص
للأخ/ أبا محمد تحية طيبة..

بالنسبة لتساؤلك عما إذا كان المقال موجه للمجتمع القطيفي تحديدًا أم لا.. فأجيبك بأني لم أقصد التخصيص بالذات فالظاهرة موجودة لدى معظم المجتمعات ومجتمعنا القطيفي من ضمنها بالتأكيد.

فلاحظ يا أخي الكريم ما يروج له "البعض" من مريدي رجال الدين وإلصاق صفات التميز من صفاء مطلق لا تشوبه أية شائبة، خالٍ من الهنات ومنزَّه من عثرات الخطأ. وقد استفحل هذا الاعتقاد مع تعاقُب الأزمنة، مندفعًا بهوس الاستعراض الديني المسرحي.

وقد نتجت عن ذلك في شكل مطَّرد مفاهيمُ "الأفضلية" لبعض رجال الدين على غيرهم من مفكرين المجالات الأخرى، وبرزت معها نزعةُ التقديس المطلق والتقليل من شأن الآخر، بل واحتقار إنجازاتهم الثقافية والعلمية، وكذلك الاعتقاد بأن رجل الدين ملم بجميع علوم الأزض والسماء.
3
أبو محمد
[ القطيف ]: 20 / 9 / 2014م - 1:06 م
أنتمى كلامي خطأ وكلامك صواب ..!!
4
زهراء احمد
[ زوبعة الغباء ]: 23 / 9 / 2014م - 10:12 م
مفهوم اتخذه البعض من أجل مآرب أخرى
وزوبعة الغباء في مرحلة اندثار فنحن الآن في عصر التطور والبحث عن خفايا مايقال سواء من أعلام الدين او غيرهم فليس كل مايقال صحيح وليس كل صحيح يقال

مقال روووعه اخي العزيز