آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:20 ص

لقطة عن شاعر «3»

فائق حبيب المرهون *

الموهبة قد لا تتداخل مع الإختصاص بالمطلق، بمعنى أن المختص في مجال معين، قد يكون لديه موهبة ما في مجال آخر، غير مجاله الدراسي أو العملي، و يكون مبدعا في هذا وذاك، وهذا بالطبع _ من سمات التميز والذكاء.

و هذا ما تميز به شاعرنا لهذا اليوم، الدكتور مانع سعيد العتيبة «1946 -.....» الشاعر المرهف الذي تخصص في الإقتصاد، ونال شهادتها الجامعية من جامعة بغداد عام 1969، قبل أن ينطلق للقاهرة وينال الدكتوراه فيها إضافة للعلوم السياسية، و بذلك يكون من أوائل شباب ساحل الإمارات المتصالحة «قبل الإتحاد سنة 1971» الذين درسوا في الخارج، ونالوا الشهادات العليا، قبل أن يعود إلى بلاده وزيرا للبترول والثروة المعدنية، حتى تقاعده عام 1990.

انطلق شعر العتيبة في سماء القصيدة العربية، بخيال خصب وجميل، وعبارات رصينة، وألفاظ بالغة العذوبة، ورغم أنه التزم بأسس الصياغة التقليدية للقصيدة، إلا أنه أضفى لمسات عتيبية خالصة لقصيدته، تعرفها ذائقة القارئ والمستمع، وتعيش معانيها وجزالتها قلوب والهة، وتغوص بمن يبحث عنها، في أعماق إنسانية جديدة.

كما أنه امتاز عن غيره من الشعراء، بقدرته على الجمع بين الشعر الفصيح والعامي النبطي، وفي ذلك قدرة خاصة تحسب له، لإرضاء ذاته أولا، وقراءه المختلفين ثانيا.

يقول في قصيدة «الحب الذي مات» :

ألملمُ بعد موتكِ ذكرياتي ** وأمضي راحلاً في عمقِ ذاتي

كأني ماعرفتكِ ذات يومٍ ** وما مارستُ حبكِ كالصلاةِ

أنا بشرٌ وعندي سيئاتٌ ** وحبكِ كان أكبر سيئاتي

خاض الشاعر العتيبة فنونا شعرية كثيرة، فهو عاش تجارب الألم وشظف العيش، في بلاده قبل ظهور النفط، وشاهد الحياة البدوية القاسية، التي عاشها جيله ومن قبله، وكذلك حياة الغوص لسكان السواحل، فكانت هذه المعاناة حافزا له على الإبداع، ومنها رائعته «المسيرة» التي تعبر عن تلك المرحلة خير تعبير، فيقول في جزء منها:

كــان للـوالـد فــي البـحـر رفــاق وسفـيـنـة

صنعـوهـا بـالأيـادي السـمـر شـمـاء متـيـنـة

رفعـوا فيهـا شـراع الحـب لا شـرع الضغيـنـة

فــإذا الأمــواج ثــارت ولـهـا صـــارت رهـيـنـة

بــــرز الإيثار فـيـهــم وبــطــولات دفـيــنــة

قــهـــروهـــا بــثـــبـــات وإرادات مــكــيــنـــة

ارتبط شاعرنا برئيس الإمارات الراحل الشيخ زايد، وكان وزيرا ثم مستشارا خاصا له، ولم تكن هذه العلاقة كحاكم ومحكوم، بل أقرب للصداقة والرفقة منها، وذلك لبساطة الشيخ زايد رحمه الله، وشخصيته الفطرية المتواضعة، ونتج عن هذه الرابطة الحميمة، نوع نادر من ألوان الشعر العربي، ألا وهو المشاكاة، أو المساجلات الشعرية الأخوية، التي تجنح نحو بث الشكوى من الحب وهموم الحياة، وكانت بالعامية.

و منها قوله للشيخ زايد:

يا شيخ حالي مليله

لا لذ لي قوت ولا نوم

أشكي ولا باليد حيله

واتراكمت في القلب لهموم

يا بوخليفه بي عضيله

من بو خصر هايف ومهضوم

فيرد عليه الشيخ زايد بقوله:

شكيت لي من ذا المليله

يا ذا الخوي مالك اللوم

الحب واشروطه أو دليله

معروف عند اهله ومعلوم

ما يحمله راي الهزيله

ايرد دونه او يكسب اللوم.

إن القدرة على تصوير المرارة والحسرة والمعاناة، ليست بالشيء اليسير، فكل البشرية تعاني وتتألم، ولكن ليست جميعها تستطيع التعبير، فنقل الآخر ليعيش معك تجربة الفقدان والغربة، تحتاج لمؤهلات وإحساس خاص، وشاعرنا العتيبة دخل مجالا رائعا وهو الرثاء، ورثاءه ليس الرثاء المنظوم المتكسب، بل رثاء شخص مكلوم، في فقد أعز الناس، فيقول في حادثة فقدان ابنته «بشائر» ذات العامين :

بَـشـائـرُ نـاداك قلبي أجيبي

ولا تـتـركـيني لِصمتٍ رهيبِ

أنـا جـئـتُ حتى أراكِ فقولي

كـمـا اعْتَدْتِ بابا حبيبي حبيبي

فـصَـوتُـكِ كـان يُريحُ عنائي

ويَـلْـمَـسُ دائـي بكف الطبيبِ

فـكـيـفَ يـغـيـبُ بِلا عودةٍ

غِـنـاء الـحساسينِ والعندليب

تنوعت قريحة شاعرنا الكبير في مجالات الغزل والحب العذري، وأوضاع الأمة العربية المأزومة، والوجدانيات الأسرية، وخاض في مجال أسفاره وهواياته في الفروسية والصيد، ولكن في اعتقادي القاصر، يظل مجال الحس العاطفي، هو الأبرز والأجمل، والأكثر شغفا على النفس، فيقول في قصيدته «صراع مع اليأس»:

لم أزل أرعى لهذا الحب غرسه

رغم أن القلب قد أعلن يأسه

لم يعد صوت حبيبي هامسا

مع أني ذوبتني منه همسه

لم أزل أحيا بآمال ذوت

زاعماً أن الذي قد مر نكسه

للشاعر العتيبة أسلوب فريد في فن الصياغة، فهو يكتب تجربة الحب لديه بجمال سردي أخاذ، وتحسب قصيدته قصة شاعرية حالمه، وهو في ذلك يتفوق على نفسه، وغيره من الشعراء في هذا المضمار، ولعله يذكرنا بعمر بن أبي ربيعه!

في قصيدته «حديث الشجون» نجد بعضا من هذا الحوار الشعري اللافت:

قالت: أحبك والهوى أشقاني وعلى طريق شائك ألقاني

قلت: المحبة هكذا لم يختلف في شرح خافي أمرها اثنان

قالت: فهل أشقاك حبي قلت: لا قالت: إذن هل نحن مختلفان

قلت: اسمعي يا بسمتي وشقاوتي إنا بأحضان الهوى طفلان

نبكي ونضحك في زمان واحد شاء الهوى فتجمع الضدان

بلغ عدد دواوين شاعرنا ما يقرب ال 35 ديوانا، تنوعت في مجالاتها وفنونها، ومشربها العربي الفصيح أو العامي النبطي، وهو هنا غزير الإنتاج، قوي المعاني في آن، لا يمكن لسطور متواضعة، أن تلم بتفاصيل تجربة نصف قرن ويزيد، تجربة مليئة بالعمق والحيوية، انتقل خلالها مع محيطه، من شدة وقسوة إلى رخاء ورفاهية.

فكأنه يصف نفسه وحاله بقوله:

صامد في وجه إعصار النوى ساكن كالليل مشتاق معنَى

كل من يحيا له أمنية وأنا المحروم من أن أتمنى

أخيرا - أرشح بعضا من قصائد الشاعر الكبير، علها تروي ظمأ من يرغب في المزيد من هذا النهر العذب.

في المجال العاطفي: ثورة الشوق، هند، سعاد، بكاء الحبيب، مستقيل

في الهم القومي والعربي: الزوبعة، القدس، انتفاضة الحجارة

في الرثاء: بشائر، في رحيل زايد

في الوطن وهموم شعبه : خواطر وذكريات، المسيرة.

و إلى لقاء مع شاعر آخر، دامت أيامكم جميلة.

معلم
القطيف / أم الحمام