آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:12 ص

ديمقراطية العراق أم لبنان؟

فائق حبيب المرهون *

في أبريل الفائت مرت الذكرى التاسعة على دخول القوات الأمريكية بغداد، وإسقاط نظام صدام حسين، فماذا حصل بعدها؟

و مالذي جرى لأحد أكبر الأوطان تاريخا وحضارة؟

هل حقا نشرت الولايات المتحدة الديمقراطية في أرجاء العراق، قبيل انسحاب قواتها نهاية العام الماضي؟

يبدو أن الصورة ضبابية إن لم تكن معتمة جدا، فالوطن ممزق لتيارات وأحزاب طائفية متناحرة، بعد أن كان العراقي لا يعرف طائفة أبويه هل هما سنة أم شيعة؟

تقول أحدى الشخصيات العراقية المعروفة: " لم أعرف إلا الآن، إن أمي سنية حيث أنها من سامراء، وأبي كان شيعيا من الكاظمية.... ما كنت أود أن أعرف هذا ".

كما أن هذا الوطن العريق، يئن من أمراض الفساد والسرقات التي عادت حديثا يوميا، كما أن سوء الخدمات والبنية التحتية المتهالكة، وعدم التوزيع العادل للثروات، واحتكار السلطة، والولاء للخارج على حساب الوطن، والمتاجرة بالدين في الشأن الإنتخابي، كما هو شعار " انتخب يابن العقيدة للإئتلاف العراقي "!

فهل خرج العراق من دكتاتورية الفرد، إلى دكتاتورية الأحزاب والجماعات الطائفية؟

أظن وليس كل الظن أثم أنه كذلك، فالساحة السياسية تشهد اليوم صراعا عنيفا، فالمسؤول يستقوي بطائفته وبالخارج ضد خصومه، وليس بكفاءته وصلاحه وبصندوق الإقتراع الذي أوصله للسلطة.

فرئيس الوزراء يجري جريا لطهران لتقوية نفوذه، بينما نائب رئيس الجمهورية المتهم، يحط الخطا في الرياض وأنقرة والدوحة، عدا من يسلك طريق الولايات المتحدة، وكل ذلك يتم باستقطاب طائفي مقيت!

إذا كان صدام عشائري واستبدادي، فحكام اليوم طائفيون ونفعيون، فما الذي يجعل نوري المالكي يهلل لاحتلال القوات الأمريكية العراق في 2003، ويمجد إسقاط النظام حينها، بينما يتوعد ويحذر ويرفض سقوط نظام دمشق اليوم؟ فهل هذا أفضل من ذاك؟

أنها بلا شك الإنتهازية في أبشع صورها، المغلفة بالطائفية البغيضة.

أما لبنان الجميل فسياسة الإستقواء بالخارج عنوان عريض فيها، والحجة أن لبنان بلد صغير، ويحوي العديد من الطوائف، فلا يمكنه النأي بنفسه عن ما يحصل حوله، والنتيجة أن صارت أرضه مستباحة للشرق والغرب، وأضحت أجهزة المخابرات لعدة دول إقليمية تسرح وتمرح، بعمليات الإغتيال والتنصت.

و الحقيقة أن هذا الوطن أبتلي بمجموعة من السياسيين الأفاقين، من كلا الفريقين 8 أو 14 آذار، فالطائفية وتقاسم المغانم من كعكة السلطة هي الواجهة، أما أعماقه فمتشعبة، منها: السرقة وهدر المال العام، وهجرة العقول وارتفاع نسبة خط الفقر، وهي مشاكل حلولها مستعصية في الوقت الحاضر.

إن العراق ولبنان، مرمى هدف دائم لأنظمة الجوار حتى إشعار آخر، فالعراق جيرانه لا يريدونه قويا أبدا، حتى وإن ادعوا عكس ذلك، فعراق اليوم الذي يسوده التطرف والتفكك هو جل ما كانوا يحلمون به!

و لبنان يسعون لجعله مرتهنا لهم دوما، بالمال حينا، وتغذية الطائفية حينا أخرى، وبالسلاح أحيانا أخر.

بالطبع - لا توجد دولة أو نظاما مثاليا في العالم، ودولة أفلاطون تعتبر من الأحلام الوردية، في مخيلة أصحابها فقط، لكننا بالتأكيد نسعى للأفضل حاضرا ومستقبلا، وليس عيبا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، فالديمقراطية الغربية رغم عيوبها ومثالبها، وقيامها على الرأسمالية البحتة فقط، إلا إنها تحوي العديد من الإيجابيات، والتي نراها متقدمة علينا نحن في الشرق بمراحل، أخشى أن أقول إنها سنوات ضوئية!!

فهزيمة الرئيس الفرنسي نيوكولا ساركوزي في الإنتخابات الرئاسية مؤخرا، ثم إقراره بكل ثقة ومسؤولية بخسارته، وقيامه بتهنئة منافسه الفائز فرانسوا هولاند، تدل على الثقة في النظام الديمقراطي، فلم نشهد أنه وصف العملية الإنتخابية بالتزوير حين هزم فيها، بينما هذه الحالة المأساوية شهدناها في الإنتخابات الرئاسية الإيرانية 2009، ومرشحة للحصول في الإنتخابات الرئاسية بمصر نهاية هذا الشهر.

من الأكيد والضروري بمكان، إعادة صياغة بعض المفاهيم، ودحرجة بعض الأسس غير الصحيحة، فالموروث الثقافي العربي يعاني من جمود وأحادية وشخصنة حلولها بعيدة المنال.

رغم هذه الصورة القاتمة عن وضعي العراق ولبنان، فمن الإجحاف نكران وجود بعض النقاط المضيئة فيهما، فالحرية النسبية التي يعيشهما المواطن، تجعله متقدما في مجال الإعلام والصحافة وثقافة المطالبة بالحقوق، كما أن قيام النقابات العمالية والحزبية لها دور جيد في تجاوز ماضي الخوف والصمت.

للتنوع الفكري والسياسي في كل من العراق ولبنان ثماره أيضا، على مستوى الطائفة أو الوطن، فهي أخرجتهما من حالة الشمولية وسيادة الفكر الواحد، التي تعانيها دول الشرق الأوسط اليوم، فلبنان مثلا - على المستوى الشيعي ليس فقط حزب الله، بل هناك حركة أمل والتيار الشيعي الحر وحزب أحمد الأسعد وآل الأمين وتيار صبحي الطفيلي وغيرهم، كما أن السنة ليس فقط تيار المستقبل، فهناك الجماعة الإسلامية والأحباش ودار الفتوى وغيرها.

و جميعها تعطي تنوعا وزخما وحركة يحتاجها المتلقي، فقط يكون المحك على البقاء تحت سقف القانون، والمبادئ الأخلاقية التي وضعها الرسول الكريم ﷺ، وأهل بيته الكرام .

فالنقاش والخلاف في مظلة الوطن، وفي إطار القوانين المنظمة للحريات والإبداع، التي لا تقصي أحدا، ولا تفصل على مقاس شخصية أو جماعة معينة، أمر يسعى له كل يملك الموضوعية والرأي المستقل.

لكم مني شديد المحبة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
حسين صادق
[ السعودية - جدة ]: 18 / 5 / 2012م - 3:22 م
أشكرك أستاذ فائق على الحيادية في الطرح
وأظهار الحقيقة بشكلها وأطارها الحقيقي
دون طائفية أو تغير للحقيقة
نعم ما يحدث في العراق نموذج للظلم والقتل والأستبداد والطائفية لا نرغب تطبيقه في اي دولة عربية .. ذهب طاغية وآتى طغاه .
2
فائق المرهون
[ القطيف ]: 19 / 5 / 2012م - 1:12 م
الأستاذ حسين صادق / وفقه الله
أحمل أكبر الإمتنان و التقدير لمشاعركم الفياضة علينا .
عزيزي - لو نظرنا بتجرد ، و بتجاوز عن الأحكام المسبقة و المعلبة ، التي يصنعها لنا أصحاب الهوى و المصالح ، لكنا في حال أفضل .
دام وعيك و حسك العالي .
معلم
القطيف / أم الحمام