آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:03 ص

لقطة عن شاعر «4»

فائق حبيب المرهون *

شاعر اليوم هو الشاعر اللبناني بشارة عبد الله الخوري «1885 - 1968» والذي اشتهر بلقب «الأخطل الصغير» وغلب عليه، وذلك إعجابا منه بالشاعر الأموي الأخطل التغلبي، حيث كان يكتب بهذا الاسم المستعار، تخفيا عن سلطات الإحتلال الفرنسي، التي أغضبتها أفكاره وآراءه السياسية المناهضة لسيطرتها على بلاده، فأغلقت جريدته التحررية «البرق» عام 1933.

عرف شاعرنا بثقافته الواسعة، واطلاعه على أسس الثقافة العربية، وفي مقدمتها القرآن الكريم وكتب السيرة والتاريخ، بحيث لم تتعارض مسيحيته في تعمقه العربي والإسلامي، كما إنه تعمق في الثقافات الغربية، وكانت مدرسة الحكمة والفرير اللتان تعلم فيهما اللغة الفرنسية محفزا قويا له.

لذلك كان قومي الهوى، عربي الجذور فكرا وتطلعا، ممتطيا مسلك النضال السياسي، مع المحتل العثماني وبعده الفرنسي، رغم تعرضه للتنكيل والمطاردة.

كما إنه شاعر وجداني وعاطفي من الطراز الأول، يعيش التجربة بعمق، بحيث يسكبها صدقا وحيوية في أبياته، فامتزجت قوميته بعاطفته شعرا جزلا، يلهب الخيال، تتدفق تعبيراته عنفوانا، وانطلاقا في مفهوم الوطنية والحب على السواء.

فيقول عن نفسه في أحدى قصائده المعروفة:

أنا في شمال الحب قلب خافق
وعلى يمين الحق طير شاد
غنيت للشرق الجريح وفي يدي
ما في سماء الشرق من أمجاد
فمزجت دمعته الحنون بدمعتي
ونقشت مثل جراحه بفؤادي.

عرف شاعرنا في الوطن العربي بلقب آخر أيضا وهو «شاعر الهوى والشباب» نسبة لقصيدته الذائعة الصيت، فكان الغزل والوصف الحسي والمعنوي، في مقدمة أغراضه الشعرية، فلم يكن غريبا أن يكون أكثر من نصف ديوانه، سابحا في أمواج هذا المحيط الهادر، لكنه لم يكن كغيره من الشعراء، فإذا كان تقليديا في أبياته العمودية، فهو مجدد في ألفاظه وتناغم موسيقى أبياته، عشق الجمال والحب والأنس، كما تألم من الفراق والضياع والخوف والحسرة، يقول في رائعته «الهوى والشباب»:

الهوى والشباب والأمل المنشود       ضاعـت جمـيعـها من يـديّـا
أيها الخافـق المعـذب يا قــلـــبي       نزحـت الدموع من مـقلـتيّا
فــحــتــم عــلـي إرسـال دمعـتـي       كـلما لاح بـارق فـي محـيّا
يا حبيـبي لأجـل عينيـك ما ألقـى       ومــا أول الــوشـاة عـلــيّـا
أأنــا الـعــاشـق الـوحـيـد لتلـقـي       تبعـات الهـوى على كـتفيّا

أبدع شاعرنا في تنوع أساليبه الشعرية في الغزل، فلم يكن غزله تقليديا كالقدماء بشكل بحت، ففي السبك كان أكثر ليونة ونعومة، أما الخيال واللغة الشعبية الحية فهي ميزة تشغف المتابع له، كما كان الوصف لديه، حالة خاصة من الجمال لم يبلغها شاعر آخر، فامتزاج الثقافات، واختلاطها بموهبته الفريدة صنع لنا شعرا غاية في الروعة، فكانت القصة الشعرية الغزلية ميزة له عن أقرانه الشعراء الكبار.

فحين شاهد امرأة جميلة، تشكو الفقر والعوز، وكانت باكية محطمة، فقال:

شكت فقرها فبكت لؤلؤاً
تساقط من جفنها فانتشر
فقلت مشيراً إلى دمعها
أفقرٌ وعندك هذي الدرر؟!

لعل شاعرنا تأثر بتجربة الشاعر الأموي عمر بن أبي ربيعة، فكانت محبوبته تحمل أسماء مختلفة مثل عفراء، سلمى، نعم، هند وغيرها، مزجها بأسلوب القصة والحوار لكنه لم يقع في فخ التقليد بألفاظ التكرار الحواري لدى عمر مثل: قلت وقالت، بل خرج منها بشكل ناجح، وبفضاء أوسع.

ومن جميل ما يذكر له هنا، أن شاعرة بعثت له بصورتها، وقد قطعت الصورة فلم يبق منها سوى الرأس، وكتبت له في الصورة المقطوعة:

هاك رأسي والرأس أشرف عضو
قطعته يدي لك استعبادا.

فكتب يرد عليها:

وصل الرأس يا سليمى ولكن
أخبريني لمن بعثت الفؤادا؟

امتاز شعر الأخطل الصغير أيضا بقصر نصوصه، مع قوة معناه في آن واحد، وفي ذلك مكمن قوة بحسب النقاد، بحيث يجعل شعره أبلغ وأسهل للحفظ، فأخذت الشهرة والذيوع بشعره لدى العامة والذائقة، فكان تكريمه في قاعة الأونيسكو ببيروت العام 1961، وتلقيبه بلقب «أمير الشعراء» وهو لقب لم يعطى إلا له بعد أحمد شوقي، وهذا ما أثار غيرة وحسد بعض الشعراء منه.

فيقول في قصيدة «قد أتاك يعتذر»:

قد أتاك يعتذر، لا تسله ما الخبر
كلما أطلت له في الحديث يختصر
في عيونه خبر، ليس يكذب النظر
قد وهبته عمري، ضاع عنده العمر
حبنا الذي نشروا، من شذاه ما نشروا
صوحت أزاهره، قبل يعقد الثمر.

كان شاعرنا رائعا ودقيقا في وصف نفسه وأقرانه من الشعراء، فقال في قصيدة من جميلات ما كتب:

كذبَ الواشي وخاب من رأى الشاعر تاب
عُمْرُه فجر من الحب وليل من شراب.

أن الوطنية والقومية المتجذرة في شاعرنا، لم تكن من فراغ، فانفعاله وتفاعله مع قضايا وطنه وعالمه العربي، وحروبه ومآسيه المفروضة عليه، جعلته شاعرا وطنيا من المصاف الكبير، يقول في قصيدة «وردة من دمنا» التي امتلئت فخرا ووصفا للثورات العربية على الإستعمار الغربي حينها:

سائل العلياء عنا والزمانا       هــل خـفـرنـا ذمـة مـذ عرفانـا
المروءات التي عاشت بـنـا       لم تزل تجري سعيرا في دمانا
يا جهـادا صفـق المجــد لـه      لبس الغار عـلـيـه الأرجـوانــا
شرف باهـت فلـسطيـن بـه      وبـنــاء لـلمـعـالـي لا يـــدانــى
إنما الحـق الـذي ماتـوا لـه       حـقـنا، نمشي إليه حيث كانـا

في شعر الأخطل الصغير تشاهد روعة طبيعة لبنان، فتتلاقى سهول البقاع، وجبال صنين، وساحل صور وصيدا، فكان شعره لا يفارق الجمال والحسرة في آن، وهو عاشق لمحرابه لبنان، فلم يفارقه حتى الممات.

صدر للأخطل ديوانان هما «الهوى والشباب» و«شعر الأخطل الصغير» وفي هذه العجالة والضيق، لا يمكننا بحال استعراض كافة موضوعاته وتنوعات قصائده، لكن ليسمح لي القارئ الكريم، بأن أرشح له بعضا من درره الشعرية، التي تظهره عملاقا من أكبر الشعراء العرب في القرن العشرين، فمنها على سبيل المثال:

- بلغوها إذا أتيتم حماها
- المسلول
- يا عاقد الحاجبين
- عروة وعفراء
- رحمة ربي
- غصة السراب
- عش أنت إني مت بعدك.

و إلى لقاء مع شاعر آخر، تحياتي لكم.

معلم
القطيف / أم الحمام