آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 11:48 ص

نبي ضد التمييز

العودة إلى حضن الأم

بدر شبيب الشبيب *

﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «10» وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «11» وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ «12» فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ «13» القصص

بعد أن ألقت طفلها في البحر، ظلت تراقبه بقلب مفؤود يتوقد حرقة وألما، خصوصا بعد أن شاهدت آل فرعون يلتقطونه، فكاد صبرها ينفد، وكادت في لحظة ضعف بشري أن تبوح بخبره، إلا أن الله تعالى تداركها فربط على قلبها وثبت جنانها، لتكون من المؤمنين الذين لا يتزلزل إيمانهم بالله وبوعده، كما ربط الله على قلوب أهل الكهف في الموقف الصعب حين أرادوا إعلان نداء التوحيد في المجتمع المشرك: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً «14» الكهف.

وحتى تطمئن على مصير ولدها، طلبت من أخته أن تتقصى أخباره. وهذا يدل على أنها شاهدته لحظة التقطه الأعداء. ونفذت البنت البارة طلب أمها بسرعة تدل عليها «الفاء» في قوله تعالى ﴿قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ، فالفاء هنا تدل على التعقيب الذي يعني قصر المهلة الزمنية بين المعطوف عليه ﴿قصيه وبين المعطوف ﴿فبصرت به.

وكانت البنت حاذقة جدا وتمتلك حسا أمنيا عاليا، فاتسم فعلها بالسرعة والخفاء في ذات الوقت فلم يشعر أحد بمهمتها ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. أي أنها توصلت إلى مبتغاها عن بعد حتى لا يكتشف أمرها.

ثم يشاء الله أن يحقق وعده برد الولد إلى أمه لترضعه وهي مطمئنة عليه، تقبض أجرا على رضاعته، وتتلقى الشكر والتقدير من القصر على خدمتها هذه، لأنها ساهمت في حل أزمة واجهت القصر ووترت أجواءه ولم يجد لها حلا. فالطفل الذي أراد الله صنعه على عينه حرم عليه المراضع، فامتنع عن لبن كل ثدي عرض عليه مما جعل القصر في حيرة واضطراب، خصوصا وأن حبه تمكن من قلب سيدة القصر.

هنا تدخلت أخته بعد أن عجز القصر عن إيجاد المرضع المناسب، وبعد أن بلغت الأمور ذروتها. تدخلت لتنقذ الموقف، ولكن بأسلوب يدل على ذكاء وفطنة، بحيث لا يظن أحد أنها ذات صلة بالطفل. عرضت على القصر تقديم خدمة لهم إن أرادوا، فجاءت بعرضها ملطفا في أسلوب استفهامي: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ.

لم يترددوا، بل وافقوا على ذلك بسرعة، ولم يلتفتوا إلى احتمال أنها تعرف أمه فعلا، فرده الله إلى أمه تحقيقا لوعده بذلك لتقر عينها وتسكن نفسها وترضعه وهي في حالة استقرار نفسي ولتعلم يقينا أن وعد الله حق لا يتخلف، وقد رأته عين اليقين.

وقفات

1 - الإنسان محتاج دائما إلى عون الله تعالى وتثبيته بخاصة عند مواجهة المواقف الصعبة. فهذه أم موسى المؤمنة كادت لشدة تأثرها لفراق ولدها وخوفها عليه من القتل أن تفعل ما يمكن أن يودي بحياته لولا تدخل العناية الإلهية. وهذا درس بليغ لنا أن نتعلم كيفية التحكم في انفعالاتنا حتى لا تأتي بنتائج عكسية. وأن نسأل الله دائما العون على ذلك.

2 - الفؤاد ليس هو كل قلب، بل القلب الذي يشهد حركة وتحرقا وتوقدا. فبين اللفظين - كما يقول المناطقة - عموم وخصوص مطلق. فالقلب أعم مطلقا، حيث يشمل الفؤاد، بينما الفؤاد أخص مطلقا إذ يختص بالقلب المتحرق المتوقد. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: «الفؤاد كالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد، يقال فأدت اللحم شويته ولحم فئيد مشوي». وهكذا كان فؤاد أم موسى فارغا أي مضطربا، لولا أن ربط الله على قلبها. فالفؤاد الفارغ هو المضطرب كما قال الله تعالى في آية أخرى ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء[1]  أي مضطربة تجيش في صدورهم.

3 - قوله ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها الربط هو الشد بالرباط، كما تشد الحزمة فلا تتناثر. كذلك ربط الله على قلبها كي لا يتناثر ما فيه وتبوح بسره ومكنونه. وبرغم أن الفعل متعد بنفسه، فكان يمكن أن يقال «ربطنا قلبها» إلا أن استعمال حرف الجر «على» للدلالة على استعلاء الربط واستيلائه على قلبها كله.

4 - ثبات القلوب دليل على رسوخ الإيمان، فكلما كان الإيمان راسخا، كلما رسخ القلب واستقر، كما قال تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ[2] .

5 - اختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة. هكذا اختارت أم موسى أخته، ولم يقل القرآن «ابنتها»، فللأخوة وعاطفتها دخل كبير في التحمس لهذه المهمة الخطيرة. وقد كشف أداؤها للمهمة عن عقل كبير ووعي عميق بالظروف الأمنية المحيطة وكيفية التعاطي معها بدقة وحساسية. لقد أدت عملها بإتقان لا يستطيعه الكثير من الرجال. انظر إلى قوله تعالى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، التي يفسرها صاحب تفسير التحرير والتنوير قائلا: وبصر بالشيء صار ذا بصر به، أي باصرا له فهو يفيد قوة الإبصار، أي قوة استعمال حاسة البصر وهو التحديق إلى المبصر، ف «بصر» أشد من «أبصر». فالباء الداخلة على مفعوله باء السببية للدلالة على شدة العناية برؤية المرئي حتى كأنه صار باصرا بسببه[3] .

أما كلمة «عن جنب» فتشير إلى الحذر والحيطة الشديدين بمراقبة أخيها ومتابعته عن بعد.

6 - المراضع جمع مرضع، وهي التي من شأنها أن ترضع، أما المرضعة فهي التي ترضع الآن فعلا. يقول الزمخشري في تفسير ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت: فإن قلت: لم قيل مُرْضِعَةٍ دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى. والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ‏ عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته وهو الطفل[4] .

7 - قوله تعالى: ﴿وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ التحريم في الآية تكويني لا تشريعي ومعناه جعله بحيث لا يقبل ثدي مرضع ويمتنع من ارتضاعها. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ أي من قبل حضورها هناك ومجيئها إليهم. هذا ما قاله صاحب تفسير الميزان.

8 - اختيار الوقت المناسب والأسلوب المناسب لعرض أفكارنا ومقترحاتنا على الآخرين حتى يقبلها الآخر بسهولة. وهذا ما فعلته المرأة الحكيمة أخت موسى، حيث تحينت الفرصة المناسبة لعرضها، حين كان الطرف الآخر يبحث عن منقذ بعد أن فشلت كل الحلول التي جربها من مرضع لأخرى. ثم تلطفت في أسلوب عرضها، فقالت ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ، ولم تفرض نفسها أو رأيها فرضا، ثم بينت مواصفات العرض التي لديها وأنه لا يمكن تفويته، فذكرت أنها تعرف عائلة ذات مكانة شريفة ﴿أَهْلِ بَيْتٍ يقومون برضاعته ورعايته ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ فيكفونكم شأنه، وفي ذلك مصلحتكم، وزيادة على ذلك سيسهرون على تأديبه ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ وفي ذلك مصلحة الطفل وضمان صلاح مستقبله.

9 - لقد عدلت من الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية في قولها ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ، فلم تقل: يكفلونه وينصحونه. وذلك لأنها تريد تبيان أن هذه العائلة من طبيعتها وشأنها تقديم النصح للآخرين.

10 - قد تبدو الأمور كأنها صائرة إلى نهاية غير إيجابية، إلا أننا نكتشف بعد ذلك أن الخير فيما وقع، وأن ما كنا نعده سلبيا كان في واقعه تدبيرا إلهيا يوصل إلى النهاية المأمولة. فإلقاء الطفل في البحر لم يكن في ظاهره إلا تسليما له إلى الموت المحقق، بيد أنه صار سبيلا لحفظه ورعايته وصيانته. لذا ينبغي علينا أن نتأمل كثيرا في قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون[5] .

وهذا ما عبرت عنه الآية الثالثة عشرة من سورة القصص: ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

نعم «أكثرهم لا يعلمون» لأنهم ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ[6] .

[1]  ابراهيم 43
[2]  ابراهيم 27
[3]  التحرير والتنوير، ج20، ص 24
[4]  الكشاف، الزمخشري، ج3، ص142
[5]  البقرة 216
[6]  الروم 7