آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 12:17 ص

سروش وشريعتي

وديع آل حمّاد

أنا في هذه المقالة لست بصدد تقديم محاكمة نقدية لآراء هذين العلمين، ومن ثم إصدار أحكاما عليهما سلبا أو إيجابا، بل بصدد تقديم توصيف لواقع مرير نعيشه وهو إصدار الأحكام على الأمور دون امتلاك معطيات عنها. وهذا ما سيتضح لنا من خلال ثنايا هذه القصة.

دخلت إحدى الديوانيات، وكان هناك نقاش وسجال محتدم بين فريقين من الحاضرين حول شخصيتين فكريتين مثيرتين للجدل «سروش وشريعتي»، بدأ بوتيرة ضعيفة إلى أن أخذت وتيرته ترتفع شيئا فشيئا، حتى باتت حرارته اللاهبة تتماهى مع حرارة صيفنا اللاهب. واللافت في الأمر أن أجواء السجال الساخنة تعيشك في أجواء شبيهة بأجواء مباريات الفريقين المتنافسين، برشلونة وريال مدريد. فالحاضرون إما مؤيدون لآراء ومتبنيات سروش وشريعتي وإما نابذون ورافضون لها. والمؤيدون والرافضون يشتركون في أمر واحد، الحماس المنقطع النظير والعصبية والدوغائمية الجزمية لاختيارتهم. والمفارقة العجيبة التي تضحك الثكلى بأن الفريقين المتساجلين لم يطلعا على كتبهما وإنتاجاتهما. ولذا تصاب بالدهشة والصدمة وتثور في داخلك أسئلة عدة: لماذا هذا الحماس المنقطع النظير وهم لم يطلعوا على متبنياتهما وكتبهما؟ وعلام وهم لم يطلعوا على مفردة فكرية واحدة أو مرتكز فكري واحد لهما؟ وكيف شكلوا قناعاتهم نحوهما؟ وعلام اعتمدوا في إصدار أحكامهم النقدية عليهما؟ وما الجدوى من نقاش وسجال يفتقر إلى البنية التحتية له، المتمثلة في مادة النقاش «كتب سروش وشريعتي» الغائبة عنهم؟

وفي خضم هذا السجال الساخن حاول أحد الحاضرين استدراجي وإشراكي فيه بيد أنني فضلت الوقوف على شاطئه أراقب أمواجه المتلاطمة التي تعلو تارة وتهبط تارة، إلا أن إرادتي في البقاء على شاطىء السجال لم تصمد طويلاً إذ استطاع شخص أن يحطمها بسؤال ذكي، فوجدت نفسي في عبابه، وهو: هل تقرأ لسروش وشريعتي؟ فكانت إجابتي بالإثبات. فانبرى شخص من فريق الرافضين لأفكار وآراء سروش وشريعتي، ووجه لي سؤالا بنبرة حادة: هل تقرأ لهذين المنحرفين؟ فقلت له بنبرة هادئة: دعنا ندخل في حوار هادئ هادف لينعم الجميع بالفائدة المرجوة ولنصل إلى النتيجة المتوخاة. نعم أقرأ لهذين ولغيرهما كشبستري وملكيان وأركون والجابري ومالك بن نبي ومحمد إقبال ونحوهم من التيار التنويري. وما الضير في ذلك؟ ولماذا لا أقرأ لهما؟ فقال: كتب هؤلاء كتب ضلال وبالتالي يحرم قراءتها واقتنائها وشرائها وبيعها. فقلت له: لماذا أطلقت على كتبهم كتب ضلال؟ قال: لأنها حافلة بالشبهات التي تحرف الإنسان المتدين عن تدينه وتفسد عقيدته وتؤثر في إيمانه وتزلزل قيمه وتعبث في أفكاره. قلت له: كيف عرفت ذلك، هل قرأتها؟ قال: لا لم أقرأها. فقلت له: إذا كنت لم تقرأها فكيف انتخبت هذا الحكم ضد هؤلاء؟ فأجاب بأنه قد سمع ذلك ممن يثق بهم. فقلت له: وكيف عرف هؤلاء الذين تثق بهم بمحتويات هذه الكتب؟ فأجاب: بأنهم قرأوها وبالتالي حكموا عليها.

فقلت له: إذا نفهم من ذلك بأن حرمة قراءة هذه الكتب ليس على إطلاقها والدليل أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يحكموا على احتوائها على شبهات لو لم يقرأوها.

فهنا بدوري أسأل هذا التساؤل الذي يداعب ذهني منذ أمد بعيد وهو: لماذا أجعل عقلي أسيرا عند الآخرين، أنتظر منهم أن يقدموا لي وصفة سحرية بالكتب المحظورة والكتب المسموحة؟

عقلي أغلى شيئٍ أمتلكه، فهو جوهر ذاتي وماهيتي وحقيقة وجودي وعنوان كياني لا أفرط فيه ولا أعيره لأحد ليبرمجه كيفما أراد وكيفما شاء. ذو الفكر الحر لايقبل أن يبرمج لبه من الآخرين بل ينطلق به في فضاء الفكر الرحب. ومن يتسم عقله بسمة الحرية والعقلانية يكون منسجما مع الرؤية القرآنية التي تدعو إلى التعقل والتفكر قبل الحكم على الأشياء: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا... و﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَ الْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُون.

وأخيراً أختم مقالي بسؤال أضعه برسم القارئ الكريم: كم حكما صدر منك في حياتك في مختلف المناحي والحقول دون امتلاكك معطيات عن الشيء الذي حكمت عليه؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
قاسم
[ القطيف ]: 2 / 9 / 2016م - 5:21 م
احسنتم على هذا المقال
وهذا نص ايضا من مقدمة كتاب ملكيان (العقلانية والمعنوية ) يتحدث بذات الشأن وان كان قصده اعم :

"‎على اني في الوقت الذي احسب فيه عبادة العقائد، او الانبهار بمعتقدات الذات من اخطر مصاديق الوثنية، لا اميل اطلاقا الى تحول عقدي لا تباركه الادلة والبراهين، تحول ينبع من صرف التعبد، او التقليد، او الانخراط في دوامة روح العصر، او الضعف امام موضات الفكر المتوالدة، او الانجراف الى مهاوي الراي العام، او الذوبان في الجماعة . اذ اعتقد ان انسانية الانسان رهن اخلاصه للدليل ن والعيش على اساس معطيات العقل والوجدان. ما ابتغيه (العقلانية) في عبارة الجمع بين (العقلانية والمعنوية) ليس سوى هذه التبعية الصادقة للعقل والوجدان، ومطالية الدليل من كل من يتقبل مطالبتنا اياه بالدليل، فبمقدار ما تفارق العقلانية مسرح حياتنا، يتسع المجال لاغوال : الزيف والعنف."