آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 12:17 ص

بوذا

وديع آل حمّاد

اختلف المؤرخون في شخصية بوذا، هل هي أسطورية أم حقيقية؟ الذين رأوا أنه شخصية حقيقية قالوا عنه بأنه كرس معظم حياته واهتماماته في فهم الكون عن طريق التأمل إذ كان يرى فيه هو الطريق الصحيح للصحوة. والتأمل يعتمد على مقدمات قبلية وهي إثارة التساؤلات العقلية عن الكون لتكون جسرا للتأمل العميق الموصل إلى الإجابة على تلك التساؤلات. وهذه الإجابة بدورها تعمل على تشكيل رؤية واضحة عن الحياة والكون.

بعد هذه المقدمة الموجزة عن شخصية بوذا، أريد أن أوضح بأن عقارب بوصلة مقالي ليست متجهة نحو شخصيته بل نحو مقولة له، اطلعت عليها وأنا أقرأ كتاب جدلية الدين والأخلاق لمصطفى ملكيان، فاستوقفتني لما تختزن من تشخيص دقيق لواقعنا الحياتي ولما تبرزه من واقعنا التفكيري القائم على التبرير لأنفسنا عن قصورنا وإهمالنا وإسناده إلى أمور آخرى.

ما حفلت به هذه المقولة من نكتة دقيقة على مماس بواقعنا التفكيري دفعتني إلى التأمل والتمحيص فيها وتعقلها لنستفيد منها كدرس في حياتنا اليومية.

يقول بوذا:

«بعض الأشخاص يركبون العربة بدون سقف ويسيرون بسرعة في الطرق الترابية، وعندما يجدون الغبار قد تراكم عليهم وعلى ملابسهم، يقولون ما أكثر الغبار في هذا الجو، يقول لهم بوذا: إما أن تقللوا من سرعتكم أو تضعوا سقفا لهذه العربة فسوف تلتفتون إلى عدم وجود الغبار والأتربة». وبوذا يشير بكل وضوح في مقالته هذه إلى أن الإنسان دائما ما يلجأ إلى خلق أسباب ليبرر قصوره وإهماله.

وهنا يقفز إلى الذهن التساؤل التالي:

هل ما أشار إليه بوذا نجد له ترجمة واقعية في حياتنا اليومية؟

لو قسنا ما قاله بوذا على واقعنا الحياتي لوجدناه ينطبق عليه حذو النعل بالنعل وحذوة القذة بالقذة.

وهناك تجليات وتمظهرات واضحة وملموسة في واقع الناس اليومي، بالإمكان الوقوف عليها، وهذه نماذج منها:

- موظف يخرج إلى عمله من منزله متأخرا والشوارع مزدحمة فيبرر وصوله إلى عمله متأخرا بازدحام الشوارع. ولكن هذا الموظف لو كان رئيسه بوذا سيقول له: بدلا من أن تنسب تأخيرك إلى ازدحام الشوارع، اخرج من منزلك مبكرا لتصل مبكرا.

- طالب طوال العام مستهتر، لا يعير أية أهمية لدروسه وواجباته، يدخل الامتحان فيجد الأسئلة صعبة فيخفق فيه، وينسب رسوبه إلى صعوبة الأسئلة بدلا من إسناده إلى قصوره واستهتاره وكسله.

- زوج مستهتر لا يقدس الحياة الزوجية ولا يقيم لها وزنا انعكس استهتاره على خلق الزوجة فتحولت حياتهما إلى جحيم لا يطاق، ملؤها المشاكل والمنغصات. فأمام القاضي يسند أسباب المشاكل إلى خلق الزوجة. والحال أن سوء خلق زوجته معلول لعلة وهي استهتاره في الحياة الزوجية.

بعد عرض هذه النماذج الحياتية نقول أن هناك نقطة جديرة بالتوقف أمامها لخطورتها على واقعنا التفكيري وهي انعكاس حاكمية التبرير كنهج على مسار حياتنا. فمتى ما تغلغل في أعماق نفوسنا ووجد طريقه نحو العقل الباطني بتنا أسارى له. فنبرر كل سلوكياتنا وأعمالنا وأنشطتنا اليومية التي يعتورها النقص في البدء بوعي مقصود، ولتكراره المقصود يتحول إلى عادة، فينطلق التبرير منا بعد ذلك من العقل الباطني عفويا غير مقصود ودون وعي، وهنا مكمن الخطورة.

والخشية كل الخشية من الانشداد نحو التبرير في كل أنشطتنا السلوكية اليومية لا إرادياً ولا شعورياً المنبعث من العقل الباطني ليكون صفة راسخة لا يمكن التخلص منها.