آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:04 م

قراءة في خطاب السيد السيستاني

وديع آل حمّاد

لقد قرأت مجموعة من القراءات والمداخلات على خطاب سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني حفظه الله الذي وجهه كتوصيات لخطباء المنبر الحسيني، فوجدت معظمها قد قرأت الخطاب من خلال السؤال التالي:

بماذا أوصى السيد السيستاني الخطباء؟

ويبدو لي أن قراءة الخطاب من خلال هذا التساؤل يؤطر القراءة بإطار القراءة الظاهرية التي لا تنفذ إلى أعماق الخطاب وبطونه وغاياته وأهدافه ومراميه. ولذا أرى أن هذا الخطاب ينبغي أن يقرأ من خلال السؤال الأهم وهو: لماذا أوصى السيد الخطباء بهذه التوصيات؟

فأخذ هذا التساؤل المهم كتساؤل قبلي لقراءة النص يفتح للقارئ آفاقا تعينه على الوصول للغايات التي يرمي لها صاحب النص أو الخطاب.

ففرق واضح وبون شاسع بين التساؤلين: الأول يقدم قراءة ظاهرية للنص والثاني يقدم قراءة تنظر إلى ما وراء النص.

فالسؤال الرئيس والأهم في نظري هو التساؤل الثاني: لماذا أوصى السيد بهذه التوصيات؟

للإجابة على هذا التساؤل استعنت بمقولة للفيلسوف الألماني فويرباخ ذو النزعة الطبيعية المادية المعروف بمعارضته الشرسة للفكر المثالي الهيغلي، وهو يتحدث عن تاريخ الأديان: «عندما ننظر إلى تاريخ الأديان سنواجه ظاهرة جذابة، وهذه الظاهرة هي أن الكفر في عصر من العصور يعتبر إيمانا في عصر آخر».

وواضح أن الظاهرة الملفتة التي يتحدث عنها فويرباخ هي ظاهرة ممتدة عابرة للأديان والطوائف، وليست ظاهرة مؤطرة بإطار دين معين.

ولكونها ظاهرة عابرة للأديان من وضعية أو سماوية نستطيع أن نقول بأن أتباع الدين الإسلامي بمختلف مذاهبهم ليسوا بمنأى عنها.

ولو تأملنا في ما قاله فويرباخ لوجدنا أن ثمة ترجمة واقعية على الأرض تتطابق مع قوله.

حيث نجد في المجتمعات الشيعية تنتشر ظواهر شاذة دون أن يكون لها رصيد من الشارع أو من سيرة العقلاء وفجاءة بقدرة قادر تتحول هذه البدعة إلى أمر مقدس واعتبارها جزء من الدين وانصهارها فيه في بوتقة واحدة إلى درجة الذوبان. وصار على الجميع في نظر مروجيها أن يذعنوا إليها كأمر واقع وأن ينظروا إليها نظرة إجلال واحترام وتقديس لأنها ألبست جلباب الدين. والفرد الذي يرى عكس ذلك لن يسلم من وابل غضب المقدسين لها وسيصيبه شواظ نيران ألسنتهم مهما علا شأنه وارتفع مقامه.

ولربط ما قاله فويرباخ في حديثه عن الأديان وخطاب المرجعية العليا نجد ثمة توافق وانسجام في الرؤية ومابعد الرؤية. إذ المرجعية عندما طلبت من الخطباء عقلنة الخطاب والنأي به عن الخرافة والبدعة والأحلام والأساطير كانت تهدف إلى أبعد من اجتناب هذه الموبقات. إذ كانت تنظر بخشية وخوف من تحول ظاهرة خرافة المنبر إلى أمر واقع وبالتالي ينظر الناس إلى هذه البدعة والخرافة ونحوها على أنها جزء من الدين إن لم تكن أس الدين وقوامه ولاسيما أن أصحابها قد ألبسوها لباس الدين. وليس بخاف على المرجعية وجود تيار قوي وجارف يعمل ليلا ونهارا - بحسن نية أو سوء نية - على حرف المنبر عن العقلانية والمنطقية ونشر الغيبيات التي تفتقر إلى الدليلية.

كل هذه الأمور شكلت دافعية للمرجعية على النهوض في مواجهة هذا المد الخطير الذي بدأ يتعاظم ويتنامى ويتكاثر وينتشر كانتشار البكتريا في الماء والهواء وفي كل شيء.

فإذا توصيات السيد السيستاني للخطباء منطلقة من الخشية والخوف من تحول الخرافة والخزعبلات التي لا تملك لها رصيدا شرعيا أو عقليا إلى جزء من الدين يُعتقدُ بها ويُتقربُ بها إلى الله.