آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

نظرة بانورامية لخطباء المنبر الحسيني

وديع آل حمّاد

أيام قليلة تفصلنا عن موسم عاشوراء، موسم العطاء والبذل والتزود المعرفي والفكري والثقافي.

ليس بخاف على أحد بأن تقدم الأمم والمجتمعات وعلو كعبها، يتجلى في دائرة الفكر والمعرفة والثقافة. فكل مجتمع يسعى نحو الرفعة والعلو تراه يجند كل طاقاته الفكرية ويحفزها على تشكيل متواليات بنائية فكرية قادرة على بناء أفراد المجتمع بناء معرفيا قويما متماسكا.

والطاقات الفكرية - التي يفترض أن تنهض بالدور التنويري والتثقيفي والتوعوي في مجتمعنا في موسم عاشوراء - تتمثل في الخطباء.

فالخطيب يلعب دورا خطيرا في تشكيل البناء المعرفي والعقدي للمجتمع، ولذا ينبغي أن تكون خطورة المهمة التي تقع على عاتقه حاضرة في نفسه وشاعرا بها ليتحفز لأداء دوره على أكمل وجه وأدق صورة.

وبنظرة بانورامية لواقع الخطابة في مجتمعنا الشيعي سنرى نماذج أربعة من الخطباء ماثلة أمامنا:

- النموذج الأول: الخطيب الذي يحمل في جنباته رسالة المنبر:

هذا النموذج يستشعر أهمية دوره وعظم رسالته، ولذا تجده حريصا على الاستفادة من وقته وعدم إهداره بأمور لا جدوى من ورائها ولا طائل، ويسعى حثيثا على تنمية زاده الفكري وزيادة محصوله المعرفي، وذلك من خلال متابعة القضايا والمسائل الفكرية والمعرفية المستجدة والاضطلاع على البحوث والدراسات والدوريات

التي تدور في فلكها، ليكون قادرا على مقاربتها ومعالجتها منبريا من مختلف جوانبها وأبعادها.

وكذلك يمتاز هذا النموذج بموسوعية إطلاعه على مختلف العلوم ذات الصلة بأسئلة الإنسان الكبرى.

النموذج الثاني:

الخطيب ذو الصبغة الفنتازية:

لا شك أن الفنتازيا شكل أدبي من أشكال الأدب قائم على الخيال والإبداع يعالج قضايا الواقع بالخرافة والأساطير والفلكلور.

وبعض خطبائنا انطبعوا بطابع الفنتازيا، فامتهنوا سرد القصص واختراع الحكايات والكرامات، فباتوا أشبه بالحكواتية - الذين يجتمعون حولهم الناس في بعض البلدان العربية في المقاهي والطرقات في زمن غابت فيه أدوات التسلية والترفيه من سينما وتلفاز ونحو ذلك - يسردون حكايات لاتخلو من اختراعاتهم ومغامراتهم وأساطير وفكاهة بأسلوب جاذب ومحبب.

وهذا النموذج من الخطباء زاده المعرفي والتحصيلي مجموعة من الكرامات والخرافات والأحلام، بمنأى عن قضايا الفكر والثقافة وما يدور في عقول الناشئة من شبهات وأسئلة كبرى، قد تزحزحهم من مواقعم العقدية إن لم يجدوا ما يروي عطش تساؤلاتهم من إجابات.

النموذج الثالث: الخطيب الإيقاعي:

برزت في الأونة الأخيرة ظاهرة سافرة ألا وهي ظاهرة المنبر الإيقاعي. والمنتمون لهذا النموذج تجدهم حريصون كل الحرص على حسن الترجيع والترنم في الأطوار وأداء المقامات الصوتية. إضافة الى الدقة في انتخاب الطور المناسب القادر على خلق التفاعل مع المستمعين.

فزاد هذا النموذج المعرفي والتحصيلي صوت جميل وطور مؤثر.

النموذج الرابع: الخطيب التقليدي:

الذي مازال يعيش في دائرة الأصالة والتراث في موضوعاته وأدواته وأساليبه، لا يواكب مقتضيات العصر ومتطلباته، بعيدا عن نزعة التجديد والتطوير، وغير متابع لما يدور في الساحة الفكرية من قضايا ومسائل مستجدة.

بعد هذا الاستعراض البانورامي لواقع الخطابة نسأل التساؤل التالي:

المواقع الإلكترونية تزخر اليوم بالكثير من الشبهات المعرفية والانحرافات الفكرية والعقدية، مرتدية ثيابا براقة وزاهية تجذب الناشئة نحوها، فعقول شبابنا تقصف بمئات بل بآلاف القنابل الذرية الفكرية، التي تحمل شظايا الشبهات والإشكالات القادرة على تدمير الواقع العقدي والمعرفي للشاب غير المحصن معرفيا وفكريا. فكيف نواجه هذا الواقع التدميري، هل بخطابة ذي طابع فنتازي حافلة بالخرافة والأساطير أم بخطابة ذات إيقاع، قوامه الطور الركباني أو الفائزي أو التخميس أو الونة يترنم عليه الحاضرون وتتفاعل مشاعرهم معه أم بخطابة تقليدية غير مواكبة للتغيير والتطوير أم بخطابة ذات رسالة تستشعر الأخطار الفكرية والمعرفية التي تلف شبابنا وتحاول رفع الحيرة عن نفوسهم؟

نحن بحاجة إلى النموذج ذي الرسالة من الخطباء - وساحتنا لا تخلو منهم - الذين شغلهم الشاغل وهاجسهم متابعة ما يستجد من قضايا ثقافية ومعرفية، فنجدهم يتلمسون موضوعات لها صلة بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد واللاهوت المقارن والانفتاح على المعارف القرآنية.

فمسؤوليتكم أيها الخطباء جسيمة اتجاه الدين والمجتمع، فقصوركم وقلة زادكم المعرفي والفكري وضحالة ثقافتكم - أقصد البعض - يفسح المجال لتغلغل الأفكار الإلحادية والشبهات العقدية كشبهات ديفيد هيوم وشلاير ماخر ونحوهم في نفوس الشباب إذا لم يجدوا من المنبر ما يرفع الحيرة من نفوسهم.

وهنا استحضر في هذا المقام قصة تأثر المفكر الإيراني فتح علي أخوند زادة بأفكار ديفيد هيوم الإلحادية، إذ يقول عن هيوم: «هذا الحكيم البريطاني طرح أسئلة على العلماء المسلمين وعلماء مدينة بومباي في الهند، ولكن إلى الآن لم يجيبوا عنها بشكل شاف وواف، وبالطبع فإن السكوت دليل على صحة الإدعاء».

من كلام فتح زادة ينبغي أن نستل الفائدة وأن نضع في الحسبان، بأن الشاب الذي تعتمل في داخله مجموعة من الشبهات الفكرية المتعلقة بفلسفة الدين ونشأة الخلق ومحورية الإنسان بدل الله ونحوها من الشبهات، ولم يجد لها جوابا من المنبر ستبقى الشبهة قائمة في نفسه وسيتأثر بإطروحات غير إسلامية.

وأخيرا:

دعواتنا لكل خطيب بالموفقية والنجاح في أداء رسالته اتجاه سيد الشهداء الإمام الحسين على أكمل وجه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
ماهر الصفار
[ تاروت ]: 15 / 9 / 2017م - 8:37 ص
مقال جميل ، يقدم رؤية للواقع وماينبغي أن يكون 🙏
تمنيت في الأخير لو أوضحت دور المستمع وصاحب الحسينية في النهوض ...
2
محمد علي
[ تاروت ]: 15 / 9 / 2017م - 2:06 م
رُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ أنهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ 1 ( عليه السَّلام ) يَقُولُ : " نَفَسُ الْمَهْمُومِ لَنَا الْمُغْتَمِّ لِظُلْمِنَا تَسْبِيحٌ ، وَ هَمُّهُ لِأَمْرِنَا عِبَادَةٌ ، وَ كِتْمَانُهُ لِسِرِّنَا جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " .
3
أبو أحمد
[ القطيف ]: 15 / 9 / 2017م - 10:43 م
في نظري القاصر؛ هناك غفلة يقع فيها الكثير من المثقفين، وهي تصور الحل في أسلوب واحد، وأن الأساليب الأخرى غير مجدية، وكأن الناس كلهم شريحة واحدة على مستوى واحد.

صحيح أن هناك شريحة من الشباب بحاجة إلى الفكر والعلم، ولكن هذه الشريحة نفسها بحاجة إلى جانب النعي المؤثر والبكاء، وهم بحاجة إلى أسلوب السيرة، والأخلاق، ولا أظن أن لدينا في القطيف شريحة ظاهرة تمتهن القصص والخرافات.

إن من غير الواقعي أن يكون جميع الخطباء مفكرين، وجميع المستمعين يعيشون نفس المستوى الفكري.

نحن بحاجة إلى العقلانية في الطرح، بحيث لا تكون دعوتنا إلى الاهتمام بجانب بأسلوب يوحي بالدعوة إلى إلغاء الجوانب الأخرى.

ولعمري لو طبقنا فكرة الكاتب لخلت أغلب مآتمنا، وهو مما لا يرضي الكاتب كما أظن.