آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

إحياء عاشوراء ليس حقاً حصرياً

وديع آل حمّاد

تحرص المجتمعات الشيعية في العالم الإسلامي على إحياء عاشوراء لأنها ترى فيه إبقاء لوهج لحظة تاريخية حاسمة حددت مصير الإسلام بقاءً أو فناءً «الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء».

في كل عام قبل انطلاقة موسم عاشوراء أو خلاله تتجدد النقاشات والحوارات حول مراسم الإحياء ومظاهره وحدوده وضوابطه، في وسائل التواصل المختلفة والمنتديات الحوارية والمجالس، وتختلف هذه النقاشات في درجة حماوتها وسخونتها لاختلاف طبيعة المتحاورين النفسية والفكرية والثقافية والبيئية.

هنا نتساءل: هل هذه الحوارات ظاهرة طبيعية؟

لابد أن نعترف بأننا نعيش في مجتمع تعددي، أفراده يتباينون فكرياً وثقافياً وأيديولوجياً. فاختلاف الأفق الثقافي يولد تغايراً في النظرة اتجاه الأشياء.

وعلى هذا هل بإمكاننا ونحن في مجتمع تعددي أن نحصر الإحياء في المنبر أو في شكل واحد من أشكال المنبر قوامه الدمعة وإظهار الجزع؟

التباين الثقافي والفكري والأيديولوجي يفرض تعددية أشكال المنبر، وكذلك التحولات الفكرية المتسارعة في الساحة الإسلامية تفرض نفسها على المنبر كموضوعات لا مناص من تفاعله معها انطلاقاً من أهمية رسالته اتجاه العقيدة. فالعمد إلى حصر المنبر في شكل واحد هو إبعاد للمنبر عن تفاعله وعطائه وإبقائه في دائرة ضيقة لا يؤثر ولا يتأثر.

أما العمد إلى حصر الإحياء في المنبر هو تحجيم للإحياء وقتل للطاقات والمواهب، حيث إحياء عاشوراء من أبرز فوائده تفجير الطاقات وإبراز المكنونات الإبداعية الموجودة في المجتمع، فكل طاقة مبدعة بإمكانها أن تكون فارس رهان في ميدان إحياء عاشوراء، والقادرون على المساهمة فئات عدة من المجتمع لا يمكن حصرها في هذا المقال ولكن سنذكر أبرزها:

فئة الشعراء:

الشاعر بما يملكه من مقدرة تخيلية وقوة بيان وجزالة اللفظ يستطيع أن يحلق بك اتجاه الحدث نفسه الذي مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ولطالما سمعنا الخطباء تترنم بين الحين والحين بصوت شجي ومؤثر  كالخطيب المشهور فارس الدمعة الحسينية المرحوم ملا عبد الرسول البصارة  تلك القصيدة العينية الخالدة «آمنت بالحسين» للشاعر المرحوم محمد مهدي الجواهري:

فداء لمثواك من مضجع تنور بالأبلج الأروع

يا عبق من نفحات الجنان         روحا ومن مسكها أضوع

ورعيا ليومك يوم الطفوف         وسقيا لأرضك من مصرع

وحزنا عليك بحبس النفوس        على نهجك النير المهيع

فئة الفنانين التشكيليين:

الفنان التشكيلي بريشته وخياله الذي يتجاوز المكان والزمان قادر على تقديم لوحة فنية تمتزج فيها الألوان لتعبر عن امتزاج تربة كربلاء بدم أحمر طاهر منبعث من ذات ذائبة في خالقها «تركت الخلق طراً في هواك وأيتمت العيال لكي أراك» فجسدت التضحية والإباء والشجاعة والإقدام والسمو والرفعة.

فئة المثقفين:

الكاتب المثقف بفكره وقلمه يستطيع أن يكون مساهماً في إحياء عاشوراء في العمل على رفع منسوب الوعي لدى أفراد المجتمع.

المهتمون بالمسرح:

هذه الفئة لاشك أنها عنصر فاعل مساهم في الإحياء بعطائها الفني الذي يعمل على ربطك بوشائج الولاء والتعلق بقيم وأهداف الحسين السامية.

فإذاً عطاء الحسين يتجدد كل عام وأشكاله تتنوع في المنبر والقلم والشعر والمسرح والندوة والمحاضرة والرثاء والعزاء والفكر والثقافة.

وعلى هذا التلحف بلباس الولائيات والتمسك بالقديم والموروث لا يمنح أحداً الحق في حصر الإحياء في المنبر فقط ومواجهة الأشكال الأخرى والتقليل من شأنها ’ فكل شكل له دوره وتأثيره ’ ولا يمكن تجاهله ’ فجميع مظاهر الإحياء تسير نحو تكميل بعضها لا نحو التعارض أو التنافر.

وكذلك لا يحق للمتلحف بلباس الحداثة النظر إلى المنبر الحسيني بأنه فلكلور لا يتماشى وروح العصر.

وأخيراً لنجعل قيم الحسين وأهدافه ومبادئه التي ضحى من أجلها حاضرة في وجداننا وشاخصة في سلوكنا وعلاقاتنا مع الله والآخرين.