آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 2:47 م

الهدم والبناء وتطور الخطاب النقدي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

فكرة الهدم والبناء جرى تداولها في الخطاب النقدي باعتبارها فكرة مركزية تقوم على رؤية تقول بضرورة الهدم ثم البناء إذا ما أردنا تصورا جديدا يقوم مقام التصورات القديمة التي قامت عليها النماذج المعرفية في الفلسفة والفكر والسياسة واللغة والدين والأخلاق.

والفكر الغربي منذ كان في القرن الثامن عشر وجد في النقد أداة تستثير الإدراكات العقلية الكامنة في الإنسان، وتتيح له المجال كي يطور من قدراته في جميع المجالات المرتبطة بحياته وبمعارفه. لذلك الحيوية التي نراها في هذا الفكر وتجدده نابعة تماما من أدوات الفكر النقدي من مساءلة الأوضاع البديهة القائمة في واقع حياته، وطرح الإشكالات حولها والتشكيك في القيم التي تنهض عليها بتعزيز روح المساءلة بالخصوص عند النشء.

وهكذا جرت الأمور في أفق من الحريات الممنوحة بفعل الإيمان الشامل بالعقل وبخطابه الذي بانت آثاره في التطور الذي طال الحياة العلمية والمدنية والمعرفية في أوروبا.

وإذا كان كانط هو الذي شرع للحظة التأسيس للنقد في الفكر الأوروبي، فإن ماركس هو الآخر أيضا من شرع في استمرارية النقد، محولا لحظة التأسيس النقدية عند كانط، من النقد المعرفي والمعياري، إلى النقد الإيديولوجي، من مساءلة تاريخ الأفكار إلى مساءلة تاريخ الظواهر الاجتماعية ومحاولة تغييرها.

وبالطبع لاحقا لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته النظرية النقدية عند مدرسة فرانكفورت في أواسط القرن العشرين التي نشطت التراث الكانطي والماركسي وفعلته بشكل كبير في خطاباتها، بدءا من مراحلها الأولى: هوركايمر، أدورنو، ماركوز ثم مع هابرماس. وصولا أخيرا إلى فلاسفة ما بعد الحداثة بالخصوص عند ديريدا في إستراتيجيته التفكيكية التي تتمحور حول عملية الهدم والبناء باعتبار النصوص والظواهر شبيهة بالبناء، ولا بد يوما ما يطال الزمن هذا البناء بالشروخ أو التصدعات ولا يعني دريدا رأب الصدع بل توسيعه حتى يسهل هدمه ومن ثم البناء عليه. قد يكون مثل هذا التبسيط يخل بفلسفة معقدة وذات تشعبات كبيرة. لكني لست هنا بصدد شرحها تفصيليا، ولست هنا أيضا في طور بإشغال ذهن القارئ بأمور فلسفية وفكرية مجردة. ما هدفت حقا من وراء رسم هذه الخطوط العريضة للفكر النقدي هو التالي:

أولا - هذا الحراك النقدي الذي واصل تطوره منذ اللحظة الكانطية، لم يتوقف عن التجدد والتطور والعطاء، وإذا كان يرى بعض الباحثين والمفكرين الغربيين أن مجتمعات القرن الواحد والعشرين في أوروبا قد انقلبت على موروثها التنويري في عصر الأنوار، وتنكبت له بالابتعاد عن بعض قيمه.

لكن - ثانيا - هناك خطابات نقدية في حقول معرفية إنسانية متعددة أعادت قصة السرديات الكبرى الموروثة منذ عصر الأنوار إلى مشرحة النقد وفككتها وركبت القصة من جديد. لكن الجديد في المسألة أن مقولة الهدم والبناء لم تعد صالحة بالنسبة لهم كي تفسر انتقال مجتمعاتهم من العصور القديمة إلى العصور الحديثة. فالنتيجة التي خلصوا إليها أن الانتقال يجري في مسارات متعددة ومتداخلة اجتماعية ودينية وسياسية ومعرفية وكأنها تعمل ضمن شبكة تضيق وتتسع حسب الظروف والأجواء، وهذا ما تنبه له جيل دولوز.

ثالثا - بالمقارنة إلى ما سبق، هذا يقودني إلى سؤال يخص تراث الفكر العربي الإسلامي، فإذا كان الشك والسؤال هو بمثابة القيمة المهمة في قلب الخطاب النقدي الغربي، فماذا عنه في تراثنا الإسلامي؟

لقد عرفت الثقافة العربية تضاربا كبيرا حد التناقض فيما يخص هذه القيمة، فالتصور العام المرتبط بجل علماء التراث على اختلاف مشاربهم الثقافية والمعرفية والاجتماعية هو أن السؤال مهلكة يؤدي إلى الخروج عن الإسلام كما ينقل عن ابن الجوزي. لكن هناك بالمقابل علماء ومفكرين وأدباء ومتصوفة قالوا بالنفي ونقيضه، أي اعتبروا السؤال طريق اليقين الحق في موضع وفي موضع آخر اعتبروه مهلكة لا يجوز سلوكه أو ركوبه.